I shed my tears; my tears – my consolation; And I am silent; my murmur is dead, My soul, sunk in a depression’s shade, Hides in its depths the bitter exultation. ( Alexandre Poushkin )

Category: نقد Page 1 of 2

نقد

القصة القصيرة ومساحة الظلمة والضوء في كتابات الناقد والكاتب الفلسطيني أمين دراوشة

القصة القصيرة ومساحة الظلمة والضوء في كتابات الناقد والكاتب الفلسطيني أمين دراوشة
يقول:
• لا تفكر، بل اكتب، فعند الكتابة لا مجال للتفكير.
• اسمع، ألا ترى معي، أنها دعوة للكتابة بالدم. ألم يقل نيتشه: “اكتب بدمك، فتعرف عندها أن الكتابة حياة”. ( ص38 ) كتابة – الحاجة إلى البحر.
ويقول أيضا في لذة الألم:
السكون لا معنى له، والتحجر يعني الموت.
حلاوة الدنيا تهوي في حضن البلهاء، وما ظل لنا إلا الألم.
أواه كم أتلذذ بألمي!
إنه ينادي:
• أنت لا تعرف قيمة اللذة، دون ألم، أليس ذلك صوابا؟
المرأة لا تعرف قيمة الأمومة إلا بعد المخاض، والشعوب لا تشعر بالنشوة إلا بعد الانتصار في الحرب.
• أيها الألم اللعين. هل علينا تبرير القتل؟
• القتل كما الحب. هو المرض وعلاجه.
• حزن فقدان الأحبة، ومتعة الانتصار.
• بدأت تفكر إذن.
• لكن، لدي أطفال، والقتال ليس من أولوياتي.
• فلسفة بيت العنكبوت.
(ص 48 الحاجة إلى البحر)

فما بين الوجود والفناء يجري احتدام العنف والسلام، صراع المتناقضين. إيمان بقوة داخلية. قوة لن تتيحها إلا الحواس الداخلية.
على هذا المثنى يظل السرد عند أمين دراوشة وفيا لمبدأ ثنائية الخير والشر.
لتسير كتابته دوما بمنحيين دلاليين محتفية بازدواجيتها.

يقول في قوس قزح:
كان قوس قزح يبهر الأطفال، حتى أصابته قذيفة في قلبه، فتهاوى وسقط، وأضاء إضاءته الأخيرة، وتناثرت أشلاؤه في الشوارع والزقاق والحارات، ولفظ أنفاسه.
الطفل المشاكس والعنيد، رفض تصديق الأمر.
وحدد موعدا لظهوره من جديد.
(ص 117 وجه في ظل غيمة).

هل هناك وجع أكثر من وجع الكتابة؟
ما أقسى الكتابة بدم القلب حين لا تفكر كيف تكتب..

كتابات أمين دراوشة أحلام، كل فلسطيني مغترب وتائه فوق أرضه، كل فلسطيني في غربة المنافي.
كتاباتك تحطيم المسافة بين الحلم واليقظة داخل وخارج المحارة (فلسطين السلبية الممزقة).
أنت والكتابة ذات واحدة يتقاسمان هَمَّ ظلم الأخوة الدين أرادوا ضياع المحارة.
لا تسأل لماذا اختير هذا العنوان “القصة القصيرة ومساحة الظلمة الضوء. اخترته لأن أمين دراوشة ذاتان في ذات واحدة يتقاسمان لغة الظلمة والضوء كما قرأتها في المجموعتين القصصيتين.
• الحاجة إلى البحر
• وجه في ظل غيمة
هكذا قرأت هذه العلاقة الوطيدة بين ذات الكاتب والمحيط الذي يعيش فيه. لأن جدلية الظلمة والضوء في كتابة القصة القصير والقصيرة جدا تسأل الحواس في بناء النص القصصي الذي يجعل من القصة صورة الواقع المعاش والمحتمل أن يعاش. في هذا السياق التفاعلي مع الواقع المعاش لا يبقي الكاتب إلا الفاعلين الأساسيين ليحوزا السبق السردي (الظلمة والضوء).
قال الأديب الفرنسي أندري جيد – André Gide : (إن من فقد بعض حواسه، قد يكون أكثر سعادة من الآخرين، لأنه لن يدرك كل صور القبح في الحياة ، ولن يسمح له خياله بأن يتمثلها ويتعامل بها مع الآخرين).

يقول أمين دراوشة :
جاء بعد طول انتظار. هرول إلى الدنيا باكرا فلم يقض في بطن أمه سوي سبعة أشهر، قذف به إلى الدنيا وهو لا يزال بحاجة إلى المزيد. (ص 5 الحاجة إلى البحر).
وكأن أصوت قنابل العدو المحتل تعجل بولادة الجنين قبل الموعد ليخرج من الظلمة ليرى الضوء… لكن أي ضوء؟
تدل هنا الممارسة في الكتابة على مساحة الظلمة الضوء في قصة بلاد العقلاء، كل واحد منهما يمتلك مغامرته الخاصة.
يقول:
وبينما كنت ألقي محاضرة في إحدى الجامعات، اتصلت معلمة الطفل، وهي تجهش بالبكاء، قائلة: ابنك يا دكتور، صعد إلى أعلى شجرة السنديان. حاولنا بالترغيب والترهيب أن نجعله يهبط دون جدوى، وما يزال يرفض. ضحكت وقلت لها: دعوه، سيهبط حين يشعر بالحاجة إلى البحر. ص7 الحاجة إلى البحر.
الكاتب أمين له نظرة واضحة و دعوة صريحة إلى تحطيم مسافة التفكير بينه وبين قارئه ليصبح القارئ والنص المقروء صورة واحدة لزوبعة في مراتع صفحات مجموعته القصصية، فيعيش أحلام اليقظة في صورها الشاعرية.
يقول:
في هذا الصباح لا يتمنى سوى أن يكون كالريح تهز الجبال، والمنازل، والنفوس المريضة، يرغب في إلقاء الأفكار السوداوية والرديئة بعيدا. يحاول أن يلقي حمولته الضخمة في البحر كي يستطيع التحليق نحو الجبال، وصوب السماء المضيئة، فمنذ كان طفلا لا شيء شده مثل التحديق في الغيوم التي تحمل في أحشائها الندى والخير.
يبحث عن التخلص من مدينة يباب وقلب يعوزه الحب.
يبحث عن حق ضاع ونهب فلا يمكن للحق أن يعود بالأماني وأيدي الغير، الحق المسروق يستعاد بأظافر أصحابه لا بالضعف. فإن هزمت لا ينظر إليك أحد، وستموت قفرا دون مدد، لا تكن بطيء الحركة، وسريع الخلل. والخراب، لا تنظر إلى الوراء الذي يشدك نحو سراب بل كن كأسراب الطير ترحل أنى شاءت، وتحمل أفكارا سعيدة تطلقها بحرية لتملئ الفضاء.. (نبض: ص80 – 81 وجه في ظل غيمة)
كاتب لا يكتب إلا عن الظل، ظل الإنسان الذي يعيش تحت ظلم الاحتلال.
إنها شذرات الحقيقة المؤلمة مجسمة في صور صغيرة وكبيرة يعيشها الإنسان الفلسطيني.
يكتب بما تمليه عليه الظلمة والضوء و صدى الصور. فتتمرد المشاعر على كل الحقائق المعاشة بلغة شاعرية جميلة غير جافة. حكيه ليس عاديا. لقد تجاوز القالب الكلاسيكي القديم. يكتب من خارج الحلقة المغلقة إلى عالم جديد.
كتابة تائهة بين الدم والماء ومعلقة بين المتعة والألم.
يقول:
كان الطلاب داخل الغرفة في حالة هيجان، يغنون ويرقصون ويتنططون.
دلف إلى الغرفة، عاد الطلاب إلى مقاعدهم، ونظروا باندهاش إلى القادم الجديد.
أمسك الطبشورة، وكتب وسط اللوح
• الجوع…
سأل الطلاب عما توحي به الكلمة إليهم.
ارتفعت الأصابع طالبة الإجابة.
• الجوع يعني الحلم باللحم الأحمر.
• الجوع هو الحاجة إلى النوم.
• الجوع كفر.
• الجوع مذلة.
• الجوع نهاية الطريق.
• الجوع بداية السير على الدرب الصحيح.
• الجوع فلسفة الأغنياء.
• الجوع كنز الفقراء.

………
رن الجرس معلنا نهاية الحصة، صرخ الطلاب بصوت واحد:
• ماذا يعني الجوع يا أستاذ؟
قال:
• الجوع.. الجوع.. الجوع.
قال الطلاب بصوت واحد:
• نعم يا أستاذ.
أجاب:
• الجوع يعني أن لا تكون نفسك.
(ص 49) مدرس
إنه لا يكتب إلا ما سوف يعطي للقارئ قوة التمرد على كل الحقائق المزيفة، في خلط متقون للواقع والمتخيل. تمردا يدفعه دفعا لطرح الشيء ونقيضه، وهو تفكير عقلاني وإحساس وجداني.. للبحت عن أجوبة قد يضعها القارئ. إنه الذات الحائرة تستدعي كثيرا من الأفعال وردتها.
يقول في وقت متاح:
بعد أن عجز عن معرفة ذاته، لف نفسه كسيجارة حشيش، وامتصها حتى غاب عن الوعي، عندها مرت سنوات حياته كشريط سينمائي طويل ومضجر وبلا نهاية… تخللته لحظات غضة…
قال لنفسه الطائرة:
• مازال هناك وقت، أجل. وأخد يجهز حقيبة السفر…
عندما وصل لم يجد سوى قبرها الصغير ورسالة له، مكتوب فيها جملة واحدة تتكرر:
مازال هناك وقت متاح
مازال هناك وقت متاح
مازال هناك وقت متاح
لا أحد يكتب لنفسه. الكاتب أمين دراوشة يكتب لمن يتقاسمه هاجسه الإنساني قبل الفلسطيني لأن الفلسطيني جزء من الإنساني. يصنع الكلمات لتصل المبتغى في شساعة المعنى وقدرتها على تجاوز ضيق الفهم.

العربي الحميدي

شعرية الغموض وتعدد الدلالات عند الشاعر الراحل عز الدين بوسريف

 يقول الشاعر عز الدين بوسريف
…………… روح هاربة من منفى الميلاد ……………
إذا أنت كل شيء و أنا لا شيء 
أشتهي الرحيل ، مني إليك 
كنور ينطفئ فيك 
إلى هنالك 
حيث لا هناك و لا هنا 
لا أنا أنا 
و لا أنت أنت
( … )
لست أعرفني 
إذا لا كنت إن كنت أعرفني 
و لا كنت إن كنت لا أعرفني 
لست أعرف جثتي في غيابة الجب 
أراني أعصر خمرا / أحمل فوق رأسي قبرا 
 أمشي ، سكران ، خلف جنازتي 
أبتسم في وجه الموت 
و الموت ، من ابتسامتي ، يتألم
( …)
سأدفنني الآن 
كحمى الظنون ، في هواجس الطين 
ليل الجسد يخرج من جسد الليل 
روح هاربة من منفى الميلاد 
               و أنصرف
            إلى ما لا أشاء
               إذا أنا أشاء
         هو لا يشاء ما أشاء
قصيدة ( روح هاربة من منفى الميلاد )
من ديوان ( أراني لا أنا / هكذا تألم زرادشت )
 إذا كانت اللغة هي الْبَطْن الذي يحوي كل الفنون الأدبية، علما بما
تحويه من البلاغة والفصاحة
هل الشعر داخل هذا الْبَطْن؟
أم هل الشاعرية هي الوعاء الشعري للغة؟
وإذا كان الشعر كما يقال عند بعض الأدباء والنقاد ليس في المراتب
المتقدمة في اللغة. أي وعاء من غير الشاعرية يمكن أن تعطيه صفة الجمالية لكي يصبح مدلل اللغة، كما تتدلل البنت على أبيها؟
يقول محمد بن أحمد بن طباطبا
《فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مَخَّضَ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسها إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه 》
فالسؤال المطروح. إذا لم يكن الشعر متقدما على اللغة، لماذا يتعامل مع الضرورات الشعرية عند بعض الشعراء بينما تتنكر له طائفة أخرى؟
خصوصا إذا علمنا أن الفرزدق هو الحجة في اللغة والشعر كما ذكر
مؤرخو الأدب العربي
يقال إن قولة الفرزدق 《علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا》. ليس لها أصل في كلام العرب ممن سبقوه، وزادوا  عن ذلك بأنه قول شاذ لا حجة له. وأن قوله هذا تبريرا لهواه
لكن ما مصداقية هذا الرأي؟
يقول محمد بنيس
《… وأنا سعيد بأني كنت معاصراً لبعض كبار الكتاب. فبفضل قراءة أعمال هؤلاء المؤلفين أو بفضل لحظات الحياة التي تقاسمتها مع معاصرين لي من بينهم، تمكنتُ أكثر من تأكيد اختيار أن أتبع طريق الحرية، بما هي حرية الحداثة بامتياز. ومن المؤسف أن أعمال بعض هؤلاء المؤلفين ليس دائماً معترفاً بها في العالم العربي، وهي بالتالي ملغاة من برامج التعليم كما من السياسات الثقافية.》
أعتقد إن الخضوع والخنوع ليس لهما مكان في أكثر الفنون الأدبية رقة وعذوبة وتأثيرا في الحياة الإنسانية. فقرار استخدامهما في التحليل والنقاش وفرضهما على هذا الجنس الأدبي يعد طموحا بعيدا عن النظرة السوية والفهم الأدبي الصحيح للعلاقة بين اللغة الشعر. نادرة هي التجارب الشعرية التي حرصت على شعرية النص، وجعلت الشعر رهين شرطه الجمالي. أعتقد أن في حداثة الكتابة، يلح النص على فتح أفق الكتابة على نوافذ متعددة
يقول الشاعر عز الدين بوسريف في
……………. ذاك أنا .. أو هكذا شبه لي …………….
ذات دهشة 
كما النداء الخفي 
ذاك الآتي من رحم الرؤيا 
و أنت
كالماسك بالماء في سراب الصحراء 
داخل / خارج حدود غيم الروح 
شيء منك 
منك يحترق فيك
من حكمة أو جنون 
إذا كل من نور
يصيح في وجه العتمة
صيحة ولادة الموت
و إذا كل ، في مرايا العبث
من ماء يجري و لا يجري
كخمرة تسكر ظل الفجر
في حضرة السفر
المدى تائه في فراغ اللامدى
كل شيء يذهب إلى لاشيء
و يبقى السؤال
 ذاك أنا 
أو هكذا شبه لي ؟!!
من ديوان ( أراني لا أنا / هكذا تألم زرادشت )إن العادات البلاغية التي كانت تمليها اللغة كممارسة خاصة لمنظومتها، لم تعد حاضرة بالشكل الذي كانت عليه لأنها لم تعد هي وحدها مكمن الدلالات. وهذا ما يجعل النص مُدْلَهِم بمتاهات الرؤى.لقد أصبح الغموض في القصيدة ناتج عن تعدد المعاني والدلالات وتقاطعاتها. فهو توالد لا ينتهي حتى في نهايتها
لقد تغيرت الطرق للوصول إلى المعنى  التي كانت محددة في القصائد بالإشارات والعلامات التي تؤدي للوصول للمعنى.  وهذا ناتج عن البيئة المتحكمة في طريقة الكتابة ومسارات التفكير وأنماط التوزيع الخطي المراوغة
إن كثير من قصائد عز الدين بوسريف تحتاج قراءتها إلى معرفة، ليس بمتطلبات اللغة ومعرفة الأوزان والقوافي بل إلى معارف متشعبة. لأنه لم يعد يكتفي بالنمطية السائدة في أساليب التعبير
  

قراءة في رواية همس الشبابيك في وسط المنجز السردي الحديث

لعربي الحميدي
ما هي القيمة الأدبية لرواية الكاتب سمير احمد الشريف؟
وهل تجاوزت القيء السردي المعتاد؟
وهل يمكن اعتبارها سردا تاريخيا لفترة زمنية؟
ربما قد أجد بعض الأجوبة من خلال سبر أغوار هذه الرواية و التنقيب عن مكامن قوتها وضعفها من الناحية البنيوية والسردية.
فكرت مليا قبل أن أكتب عن روائي مبدع. لأن العمل تجاوز الكتابة على النمط التراثي العربي القديم بل يرسم نمطا إبداعيا بعيدا عن النسخ حتى لا أقول القيء السردي.
فهذا العمل في حاجة إلى قراءة خاصة، ومعالجة استثنائية لما يمتاز به من قوة إبداعية متشابكة مع الخيوط

الشعرية وبلاغتها وصورها.
فالرواية تمثل الملفوف السردي لعنوانها وكأنها مجموعة توثيق قصصية سعى الكاتب بنائها من عالم واقعي.
إن هوس المعرفة لا يخفي رغبته في الغور داخل عالم هذا الروائي الفلسطيني الجذور والأردني الجنسية لفهم عمق الجرح المأساوي الذي يعيشه المغترب داخل وطنه و خارجه. واعتبار أيضا إن هذا العمل الأدبي جزء من الحقل الثقافي والاجتماعي في منطقة لم تسلمت يوما من الصراعات والمآسي المتتالية.
يقول الكاتب
عتبة
)أحاول أن اكتبها، ألوان منفاي بها، غربتي وغموضي عنها، أعوض ما لم أقله بصمتي، يتنازعني خوف وألم وبقايا جدوة هروب،)
شباكه (1)
وحدي
أصوات منسية
أطياف تجتازني
وجوه تستيقظ
تهب من ماض مجهول
تتكسر صورة العالم
تهب الذكريات باهتة
الورق يبعث في قلقا جارحا
ثم يبدأ بتساؤلات. تساءل الحاضر والغائب ويجيب في اللحظة نفسها عن السؤالين معا.
شباكه (2)
لو كنت صادقا مع نفسي، هل أجيب عن سؤال صغير: لماذا ياسمين؟
هي قد واجهت نفسها بالتأكيد وطرحت نفس السؤال واحتفظت بالإجابة، فماذا عنك انت؟
(مشكلتها أنها تختصر شخصك في وسامتك)
فيبدأ مدخل الرواية
(كم رغبت أن تصغي لك، تشرح لها عن ماضيك وعن الحواجز داخلك والمعتقلات التي أطفأت أعقاب سجائرها في كتفك!)
(كم تتمنى أن تسمع منك شيئا عن الأماكن القابعة في وجدانك، عن الناس الذين تغيروا وقايضوا الشعارات بالمال والكرامة بالخيانة، عن النساء اللواتي لم يجدن فيك غير جسد،)
إذا تمعنا في الأعمال الأدبية العالمية المعاصرة تظهر العلاقة بين العمل الأدبي والحياة الاجتماعية بكثير من الوضوح في هذه الأعمال، إذ أصبحت الرواية بشتى أشكالها قيمة إنسانية كاشفة لواقع حال المجتمعات. طارحة عدة إشكالات لا متناهية مع الحداثة المتطورة.
إن لأديب كشخص اجتماعي إذا كان إيجابيا فهو قادر على اختراق القضايا الاجتماعية بجميع أشكالها و إشكالاتها. رغم وجوده الدائم في مرمى النقد القاسي من طرف الأدباء والمثقفين قبل السلطة أو الدولة الموازية التي تحاول دائما الحد من تأثير الثقافة في المجتمع بشتى الوسائل بذكاء وحنكة، إن الكاتب الرصين يكون قادرا على التملص من العوائق بمستوى عال من الحرفية في الإبداع السردي المتسلل… رغم محاولة حصره داخل حلقة مغلقة ملغومة بقداسة المحافظة على التراث والقيم، التي تعتبر حجة من بعض النقاد والأدباء. إذا كان من المعلوم بل ومن المؤكد إن كل شيء متغير ولا شيء ثابت في الكون
فكيف يضيق على الكتابة والأفكار، مع العلم أن اللغة هي الأكثر من اعتراها هذا التغيير والتجديد.
يكفي أن نلقي نظرة على اللهجات العربية القديمة للدكتور إبراهيم السامرائي
وفي صوتيات العربية للدكتور محيي الدين رمضان
وفي اللغات المفقودة لغز كتابات العالم المطلسمة لأندرو روبنسون.
كمثال عن التجديد في الأدب العربي المعاصر قد نجد بعض هذه المواصفات الجادة في رواية همس الشبابيك، إن كتابة هذا النص الروائي يمتاز بالتكتيف في عمق الفكرة مع ثراء اللغة في استعمال الجمل القصيرة التي تحمل دلالات غنية بالمعاني متجاوزة القيء السردي المعتاد. إلا أنها تطرح بعض الأسئلة. هل هذه الرواية تعتبر ضربا من ضروب السرد الغنائي كما يعتبره بعض النقاد؟ أم يمكن اعتبارها قصيدة غنائية متنكرة؟
أم يمكن اعتبارها سردا تاريخيا لوقائع اجتماعية كما ينظر إليها عند البعض؟
لننتبه إذن لما كتب فيها… فالكاتب لا يخمن ولا يفترض بل يلاحظ و يراقب، هو مطلع على دقائق الأمور والمعطيات. وباعتباره مثقفا يستنتج بناء على تحليل معطيات ووقائع دقيقة، وبناء على استحضار التاريخ منطقة الشرق الأوسط وتجارب شعوبها ومسار سياساتها.
إن وجود الدولة العميقة ليس أمرا سلبيا دائما، فقد يكون من الإيجابي في ظرف ما تدخل هذه الدولة العميقة لاستمرار الدولة واستعمال آلياتها للهيمنة المؤقتة، لكن الدولة العميقة لها أيضا جانب سلبي، وربما اكبر من الايجابي، عندما تسعى إلى الهيمنة. فتصبح آنذاك عامل تمرد بل قد تؤدي الى الثورة وليس عامل استقرار واستمرارية الدولة.
إن قراءة شبابيك الرواية ليس سهلا والعيش وسط أحداثها ليس يسيرا كما قد يبدو في أول وهلة، لما لها من اختراقات تقترب صوب الشعرية في الكتابة ولما اعتمده الكاتب من عدة صور بانورامية لكل شباك حيث يحتوي كل واحد منها على صور معرفية تدفع القراء إلى محاولة التحليل الوصف في كل مسلك من مسالك حياة أبطال الرواية.
إن هذا العمل عبارة عن إنجاز قد يدخل في صلب ممارسة شعرية غير واعية أو ربما متعمدة.
فالرواية تجاوزت السرد المعتاد بل اعتمدت على ضمير الغائب في مختلف النوافذ. ولن تكتفي بالحكي في موضوع معين بل إنها متعددة المواضع والوقائع والشخصيات. أن هموم المجتمع عنصر أساسي فيها، و لم تكتفي بهم واحد من هموم المجتمع بل تطرقت لبداية نكسة المجتمعات العربية وبما أصابت الإنسان العربي المغلوب على أمره، تتقاذف به أمواج الحياة الصعبة، لتخلق منه الإنسان ذا المزاج المُتقلب والقلق والحزن والذي لا يتذوق طعم الفرح إلا نادرا. حتى أصبح ذلك الهيكل المنسيّ والمقصي، رأيه مسمر في الهامش.
ويطرح السؤال الأزلي بطريقة ذكية. هل المرأة جسد، أم هي روح، وفكر، وثقافة. غير أن الإشكال يكمن في اختزال قيمة المرأة في شكلها وإهمال جوهر أنوثتها. فإذا كان الرجل معذور في طلب الجمال في المرأة. فالمرأة هي الأخرى معذورة في طلبها.
إلا إن الجمال الغبي، أقبح من القبح الذكي كما يقال. لدى الإنسان السوي. لان السوي لا تحركه نزعة الغريزة وحدها بل يطلب من نصفه الآخر درجات من التكامل، بين جمالية الجسد وجمالية الروح.
لكن داخل مجتمع ذكوري. فالرجل يهيمن ويسيطر ويفرض ذاته.
من خلال العلاقة بين الاثنين يرسم لوحة من الألم كواقع مقبول. لأنه النزعة السادية كالدولة الموازية.
وهنا تبدأ اللعبة …

الأوجه الخطابية في رواية “سيرة حمار” للمفكر والأديب المغربي حسن أوريد

العربي الحميدي

إذا كانت طبيعة الإنسان التفاعل مع محيطها، تؤثر وبأثر فيها، وتعبر عن ذلك بطرق مختلفة. فإن المفكر يعبر عما يحيط به أدبا. لأن ما يميز المفكر عن الإنسان العادي هو اللغة الأدبية.

فالمنجز الأدبي غالبا ما يعبر عن مضمرات الإنسان، ويحمل في طياته كثلة هائلة من المسكوت عنه. فتخرج آخذة عدة طرق منها المباشر ومنها الالتفافي، حيت يتحول التعبير الكلامي من الشكل السكوني إلى شكل تتابعي خطابي.

هل في رواية “سيرة حمار” للمفكر حسن أوريد كيانا عميقا من المرئي والمسكوت عنه؟

صنعت بي رواية سيرة حمار ما لم تصنعه أي رواية أخرى. أربع قراءات بالكاد أسعفتني على الغور في أعماق ما تحمله فلسفتها وأسئلتها الوجودية. فهي حمالة لعدة رسائل خطابية، لكونها رحلة عذاب متواصل ترمي إلى تطهير (إنسانية الحياة) من العذاب والمعاناة في حاضر معاق. إنها ليست نظرة لفترة تاريخية كما تعتقد فئة من النقاد والقراء.  بل تهدف لأبعد وأسمى م ذلك.

رواية لم تترك للتاريخ فرصة الحكم عليها. لأنها ليست خرساء، ولم تعطي للصمت الموافقة. ولم تترك للآخرين مصيرها. إن الذات الحالمة التي تسكنها الفلسفة يخافها النفاق، ولا تجرؤ أشباح الأقلام ولا ألوان الحبر أن تعبت بها.

يقال لا توجد لذة بدون ضريبة ولا توجد متعة بدون ثمن. فكتابات المفكر حسن أوريد تهتم بتفاصيل الوجود الإنساني، وغير متعلقة بلحظات الفرح والحزن، الأفراح والأحزان أعراض زائلة تجيء وتذهب. أما الوجود الإنساني بكل ما يحمله من متناقضات فيظل موجودا في أعماق وتفاصيل الحياة. إنها شرح لاعطاب مجتمع الحمير.

اعتقد أن صنع ما قدم حسن أوريد في رواية سيرة حمار لن ينساها له الأدب الإنساني قبل المغربي أو العربي. لأنها نظرة فلسفية قبل أن تكون صورة لفترة تاريخية من ماضي موريتانيا الطنجية وحاضره المغرب. الحالي. وما هي إلا صور للواقع المعاش في جل البلاد العربية. أما لغة السرد فلا يختلف اثنان على رفعتها العالية، وسيولتها، وفي اتساع معجمها. فجاذبية غنائيتها بلغة السرد الاستعارية، تشد القارئ شدا.

في هذا النص حاولت الوصول إلى القيمة الفكرية المنبثقة من الفلسفة القائمة على الاختلاف والتضاد والتصارع بين الأفكار والحقائق، والمؤدية في الأخير إلى ظهور الحقيقة المجردة، بعيدا عن الزيف، وكذلك ما تحمله نظرته الفلسفية الوجودية. إن فكر حسن أوريد يصعب الإلمام بجميع جوانب تصوراته، والغوص في أعماقه لما تحمله موسوعته المعرفية. التي لا يمتلكها الكثير من المفكرين ناهيك عن الكتاب والنقاد. إن جائزة بوشكين للأدب والثقافة لاتحاد كتاب روسيا الحائز عليها سنة 2015 لها عدة دلالات خاصة لمن يعرف الثقافة الروسية.

يقول حسن أوريد

“لقد طوفت أرجاء عدة لأقول لكم إخوتي إنا تأثرنا بحضارات عدة مثلما أثرنا فيها، وأن لا خطر يتهدد شخصيتنا العميقة من هذا التفاعل. إن الخطر كل الخطر، أن نختزل تلك الشخصية في جانب ونصادف عن التجربة الإنسانية التي أتيحت لنا من الحضارة الفرعونية فالإغريقية والرومانية وقبلها الفنيقية. إخوتي إننا لسنا طارئين على هذا الرصيد الإنساني، لسنا متسولين، هو جزء منا ونحن جزء  منه. إن الأمم العريقة  هي التي  لا تخشى الانفتاح ولا تتأذى من التلاقح، أما تلك التي تروم ما تزعم من صفاء فيتهددها الذبول، بله الفناء..”

تم يطرح سؤال جوهريا لمسائلة الضمير.

“هل أنا حمار يأتي ما تأتي الحمير أم أنا إنسان؟

أوطن نفسي أن أصير حمارا فيأبى علي شعوري ذلك، وآية ذلك أني لا أزال أفكر، وأعي، وأسمع، وأفهم، وأقرر قرارا أن أظل إنسانا، فأتين أني لا أستطيع، فلم يعد لي منطق الإنسان ولا مظهره، ولست أستطيع هذه الأشياء البسيطة التي أوتي الإنسان وحرمتها مند مسخت لست أستطيع النطق، ولست استطيع الحب، ولست أستطيع الغضب…”

مما لاشك فيه أن جل المجتمعات كانت ضعيفة في بداية تكوينها. إلا أن الإنسان كان دائما وسيبقى المحرك الرئيسي  باستمرار في هده الصيرورة  مع الزمن  إلى أن يصل إلى دورة الارتقاء. ثم بعدها يعود إلى نقطة الانحدار. والسبب في ذلك كما

قال حسن أوريد

“قد أدركت أن كثيرا من تصرفات بني الإنسان تغلب عليها الطبائع الحيوانية، فهم يحبون الغلبة، ويميلون إلى المتع، وينفرون من التفكير، وهم يغلفون نزواتهم بغلاف إنساني نبيل.”

إن المجتمع كالرضيع لا يمكنه أن يصل إلى مستوى الرشد دون المرور بالطفولة إلى الكهولة. أي بالأحداث ومعيقاتها. إذا كل المجتمعات البدائية مرت بمرحلة الطفولة معتمدة على غيرها أكثر رقاء، للتطور والعيش، لأن الضعف والجهل والغباوة وغالبا الحماقة قد تُؤْدي بها نفسها.

يقول حسن أوريد

 “إن كثيرا من الحماقات مصدرها العقل حين يخضع للهوى نُحَكّمه لتسويغ ما تهوى النفس وتبرره”

“ورأيت أن لا فرق بين البداوة والتمدن في حقيقة الأمر إلا من حيث الدرجة، فمصدر التمدن هم البدو حين تتاح لهم ظروف تاريخية معينة، وهم بتعبير آخر، بمثابة المادة الخام للنتاج  الصقيل”.

إذا كانت جل المجتمعات المعاصرة بالأصل مجتمعات بدائية. فإنها ستصبح أيضا بدائية في زمنها. لأن البداوة لا تعني الرجوع إلى الماضي. فلكل زمن بداوته. بلغة وفكر أهله.

إن التاريخ سيحكم علينا بما لنا وما علينا. إن لم نكتب تاريخنا سيكتبه الآخرون عنا. وإن لم نتكلم ، يستكمل عنا الآخرون.

 وأن لم نعترض في مجتمعاتنا، سيعتبرون صمتنا موافقة. وفي ظل هذه الحالة ينبغي على كل شخص في مجتمعنا أن يكتب تاريخه. فلنكسر هذا الصمت. لا نترك للآخرين أن يتلاعبوا بمصير مجتمع لصالحهم . لا نترك التاريخ يحكم علينا. ولا نستعمل لغة الحمير.  فكما يقال الكرسي لا يحكم على النجار الذي صنعه.

يقول حسن أوريد

آه كنت مدرسا للأطفال، أعلمهم اللاتينية والإغريقية والخطابة تم ننقل ذلك إلى لساننا الأمازيغي، وبعد أن يشتد عودهم أعلمهم الحساب والمناطق واهيئهم التذوق الموسيقى… الطفولة هي المادة الخام التي يصنع منها الإنسان. شخصية الطفل تتحدد في سنواته الأولى. إذا كنا نريد خطباء علمنا الأطفال فنون الخطابة مند نعومة الأظفار، وإن أردنا المنطق سعينا أن نغرس ذلك في الصبا من خلال حملهم على طرح الأسئلة والاستنتاج الذهني، وإن رمنا اكتشاف علوم الطبيعة علمنا الأطفال حاسة الملاحظة.. الناس تمر على الأشياء دون أن تلاحظ شيئا.

الناس تحسب الحقيقة جامدة، تلقن أو تحفظ… الحقيقة اكتشاف دائم، هي مدى مطابقة فكرة للواقع…”

وإلا لن نخلع  جلباب الجهل ونتحرر من الخيبات التي نحن فيها. وان نتعافى من لغة الحمير وإلا سنستحسنها لعدم  قدرتنا على قبر تجربتنا الفاشلة مند ستة عقود، ولن نصحوا من النوم معافين من الخيبة.

يقول حسن أوريد

“ومن حسنات لغة الحمير أنها تعدم التفكير ولا تتوفر على تلك الفروق التي تعرفها لغة الإنسان ما بين الأحاسيس والأفكار كما في الألوان  ما بين الأسود والأبيض. فلغة الحمير لا تعرف التمييز ولا الشك وإنما تقوم على احكام قطيعة..”

هل نقبل العيش بهذه اللغة؟

فهل باستطاعتنا أن نكون مشروعنا الفكري والأدبي ونحاول أن نطور لغتنا وأسلوبنا وأفكارنا. لا ريب أن انجاز ذلك ممكن، وأن اقتضى جهدا ووقتها. بيد أن إنجازه وإنجاز غيره، لا يجدي إذا لم يقترن بمنهج لأرجأته  في جل المجالات. / المغرب

لماذا التأمل في رواية أحلام النوارس للروائي مصطفى لغتيري

العربي الحميدي
أعتقد ان ما يمنح للأدب هويته، هي الصياغة وطريقة التركيب. ودور اللغة فيه هو ما يجعل الأدب أدبا. ليميزه عن سائر الأنظمة الأخرى فكرية  كانت أو إجتماعية.
ولماذا دائما ما ينظر لأعمال السرد الغنائي  بأنها  فضاء  للتعبير عن  ذات الكاتب؟
هل فعلا  تتسلل إليها بعض جوانب حياته الخاصة،  وتجاربه الشخصية؟
أم هذا الإحساس  يتولد لدى القارئ بسبب الصبغة الذاتية للسرد الحافلة بتصوير العواطف والانفعالات الداخلية، وحالة  الاغتراب النفسي الذي تعيشه  الشخصية  الكاتبة أو الساردة؟
إن قراءة رواية أحلام النوارس وضعتني في إشكالية الفهم الصحيح للبنية السردية  المتنوعة للروائي مصطفى لغتيري، خاصة حينما قرأت له
(الغنائية من العيوب المقيتة في القصة، وهي لا تعني سوي الحضور القوي لذات الكاتب وما يترتب عن ذلك من بوح وشكوى، فكلما أبعدت ذاتك نجحت قصتك، وحتى لو استعملت ضمير المتكلم لا تنس أبدا أنك تتقمص شخصية مختلفة عنك، و لا تكتب عن ذاتك. وأنك تستعمل ضمير المتكلم كحيلة سردية فقط للإيهام بحقيقة ما تسرده، لأن القارئ يهوى التلصص على حياة الكاتب الواقعية، ويقبل على القراءة إذا أوهمه بأن ما يحكيه لنا يطابق حياته. لكن ذلك مجرد حيلة سردية، فالسارد كائن من ورق أو من كلمات وقد يستفيد من حياة الكاتب كما يستفيد من غيرها من الحيوات، لكنه أبدا لا يطابقها، واعلم أن آخر ما يتمناه القارئ أن تحاصره في الزاوية الضيقة وتستفرغ عليه همومك واحزانك، بل يهمه ان “تعكس” له الحياة في تنوعها وتعقدها وعبثيتها.
واعلم اخيرا أن النزوع نحو الدرامية من خلال توظيف تعدد الأصوات وهو ليس سوى تعدد تصورات الشخصيات كفيل بإبعاد شبح الغنائية عن قصصك.)
إن ما أبحت عنه كقارء هي  تلك التركيبة الفنية المخفية في مخيلة السرد الغنائي للروائي مصطفى لغتيري، لا عن ذاته. (فالذات غالبا ما تعبر عن نفسها بدون وعي، أو في غفلة من الكاتب، وتترك بصمتها في جل كتاباته). إذا كان التخيل يغسل الإدراك وينير طريقه. فعلى الكاتب أن لا يخاف السؤال.. من أنت؟ وإلى وجهة سردية تقصد؟ وبهذا قد يغري القارء بدراسة سيميائية لفهم دلالات تأويلات كتاباته، (رغم صعوبة تحديد مصطلح السيميائية  نظرا إلى تشبع المنظور الدلالي لها).
 إن اهتمامي ينصب في هذا الاتجاه لفهم الفنية الأدبية في السرد الغنائي لما يملكه من جمالية، سواء أكان هذا السرد للكاتب أو السارد. لأن  الطريقة الفنية السردية هي التي في غالب الأحيان تدفع القارء للاهتمام بالمضمون وتجدب رغبته إلى مواصلة القراءة بشغف. إذا تفردت الحبكة بالخاصية الأدبية. لأن القصة ماهي إلا مجرد مادة خام تصقل وترسم تصوراتها بقلم الكاتب أو السارد البارع.
ما شد رغبتي للتمعن في رحلة النوارس عن باقي الروايات الأخرى (حاليا)، غنائيتها الممتازة والبنية السردية في الصياغة، وطريقة  التراكيب وجماليتها الفنية ودور اللغة فيها. لأنها لم تسقط في فخ التقيؤ السردي إذا جاز هذا التعبير.
يقول مصطفى لغتيري:
(دعيني أشتهيك بالشكل الذي يجعلني اتخلص من كآبتي،)
ما هو هذا الشكل وكيف يراه؟ عليك أن تستعمل مخيلتك كقارء. وهنأ تتجلى شعرية الحكي في النص.
( لعلي أنفلت من شرنقة الجسد وأهيم في الملكوت “مترامي الأطراف”… أشرع أبواب الروح على مصارعها كي أعب النسيم باشتياق التائه في فيض الصحاري.. أكتشف القطرات السابحة في المدى الممتد أبدا كنهاية لا تحقق إلا وهما، في خضم أحلام تكبر رويدا رويدا حتى تتاخم حدود الحقيقة، ثم ما تلبث أن تنكص في صمت، تتقاذفها خيبات الزمن، تتهاوى بثقل صخرة “سيزيف”..)
إن حافز القصة غير مقيد فيها مما أعطاها التركيز على الفنية، فالصورة الفنية شكلت وحدة الفن وجوهر المضمون والشكل حيت تمكن السارد التواؤم مع الواقع والتسامى عن الغريزة والرغبة.
والسؤال الأخر المخفي
هل تم في هذه الرواية تغريب الأحداث المألوفة باستخدام الإبطاء والإطالة والقطع، لِأَنْ نولي انتباها عاليا، بعيدا عن إدراك المشهد المألوف إدراكا آليا؟
يقول الروائي مصطفى لغتيري
ايتها الحبيبة، فرغم أنك انقطعت عن زياراتي مند مدة ليست قصيرة، إلا أنني لم أفقد الأمل في أنك ستفاجئينني في يوم من الأيام بطلعتك شديدة البهاء، وأنت تحملين بين يديك بعض الدواوين، التي ألححت عليك بإحضارها لي في آخر زيارة، أتذكر أنني ناقشتك رغم مرارة السجن- حول قصيدة  للشاعر الكبير أمل دنقل، وأتذكر  أنك أصررت على أن مواقفه، فيها كثير من التطرف والرومانسية، يتعذر معهما أن تتحقق على أرض الواقع، خاصة في هذا الزمان الذي تبرأ من الحلم ورماه وراء ظهره.. حينما دافعت بحماس منقطع النظير عن رأيي، وقلت لك إن الشاعر إذا تخلص من رومانسيته فقد مبرر وجوده. والشعر لا يجب أن يفهم من خلال تجلياته الظاهرة، بل من خلال الإشراقة، التي تنبلج فجأة داخل المتلقي وهو يتعاطى معه…
هنا المرأة تمثل وجودين، حقيقي طول الرواية ومفقود عبر الزمن الذي يعيشه وصورتها بين يديه المرتعشتين  حين يقول ايتها الحبيبة سأظل أنتظر كما انتظرتك وانا وراء القضبان، دون أن يتسرب اليأس إلى فؤادي.. سأتسلح بالأمل مهما طال غيابك..
يقول الكاتب والشاعر والناقد الأدبي الروسي: فيكتور بوريسوفيتش شكلوفسكي 1893-1984
(إن ما يمنح الفن معناه هو قدرته على أن يسقط الألفة عن الأشياء ويقوم بتغريبها ليرينا إياها بطريقة جديدة وغير متوقعة. وإن هدف الفن هو نقل الإحساس بالأشياء ليس كما نعرفها، وإنما كما ندركها، فعملية الإدراك هي غاية جمالية بحد ذاتها، ولا بد من إطالة أمدها )
في الرواية لم يلعب السرد عملية التفتيت، حيت لم يمارس الاختفاء أو الالتفاف بين الضمير البارز تارة والمختفي تارة أخرى.
فالتخيل في النص يتناسج فيه الزمان والمكان والأشخاص، وخطابه يرمي إلى تعرية واقع نفسي ويوحي بوضع السارد الموزع بين الرغبة في الانتحار ومقاومة حريقه الجارف. وتبقى الرغبة في الحياة هي اللذة الاستفهامية.
يقول مصطفى لغتيري
(لقد أصبحت مجرد عاهة متحركة لا حيلة لها.. وكذلك بسبب السجن.. وأنت تعرفين أنه لكي أتخلص من حياتي لابد أن أكون قويا.. فالمرء الذي يختار أن يضع حدا لوجوده أي يصبح عدما، فهو حتما يتمتع بقوة خارقة، لأنه قادر على الاختيار، وهل من اختيار أصعب من أن ترمي وراء ظهرك هذا الشيء الذي يتلهف الناس علي الاحتفاظ به بشكل واع وبشكل غير واع، فغريزة حب البقاء  راسخة فينا كما تعلمين ولا تحتاج إلى برهان ليؤكدها.. الانتحار قوة وليس ضعفا.. الضعف هو أن يتمسك الإنسان بشيء يرفضه بل ويمقته. ما معنى أن التمسك بالحياة وهي ترفضني؟.. لا أستطيع أن استوعب ذلك أبدا، ولن أقبل به.

أحمد بركات مُعذِّب الهم الاجتماعي بالشعر









لعربي الحميدي
بل بريح الموت السوداء التي تحيط بشعراء بلدان العالم العربي. معتبرا كل شاعر، ” تلٌ من تلال الرماد. والريح تكنس وتشطب وتمحو إهمالاً وقسوةً وجوعاً. ومتى ما استمر هبوبها التعسفي، ينتهون طيراناً إلى المجهول.”.
ولكنني دائما أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم..

أحمد بركات
من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1960 من الشعراء الدين ساهموا في تحديث الشعر في المغرب. اشتغل بالصحافة.حصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة 1990. وفي سنة 1994توفي بإحدى المصحات المغربية. صدرت له مجموعتان شعريتان
ـ أبدا لن أساعد الزلزال ،منشورات اتحاد كتاب المغرب،1991
ـ دفاتر الخسران،منشورات اتحاد كتاب المغرب،1994
أن يلتحق الشعر العربي المعاصر إلى الآداب الأخرى معناه أن هذا الشعر تحدى العوائق الداخلية من غير خشية إلى فضاء لا محدود للإبداع. لقد تعددت التجارب مند الخمسينيات وأفرزت شعراء حطموا حاجز الصمت وكسروا النمطية التقليدية.
ومن هذه التجارب تجربة الشاعر الراحل أحمد بركات. فأي حديث عن تجربة ما لا يمكن لأي ناقد فهمها إلا إذا توفرت له شروط فهم وإدراك عمق الجروح و شروخ الذات التي تبحث عن نفسها وسط محيط لا تجد فيه متنفسا يريح آمالها وأحلامها. بل فقط قيضا تحرق ما تبقى من صور الآمال وتدفن ما تبقى من أحلام.
تحمل كل نص آثار الوعي المبدع، والصيرورة الفنية للواقع في شاعرية كثيفة، ومن ثم تحمل يحمل النص إلى دلالة الاتساع الخيالي للذات، واندماجها بالعناصر الكونية، وذلك من خلال عوالم، أو مجالات تصويرية وليدة تقع بين الوعي وتداعيات الكتابة.
إن الحالة الإبداعية التي هيمنت على وعي هذا الشاعر تصور التباينات التي ذابت فيها ذاته داخل قصائده. إنه قناص الصور المركبة والعنيفة والسارد الغاضب الذي عبر عن الهم الاجتماعي والسياسي بالشعر.
ربما تكون تجربة الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات واحدة من التجارب الشعرية التي سبقت زمانها. تجربة كتابة التمزق في أدق تفاصيلها، بلغة أقرب إلى البوح المتألم، الذي يعري ويكشف بطريقة ذكية في شاعرية كثيفة تحيل النص إلى دلالة الاتساع الخيالي للذات، دون أن يفقد هذا النقش العميق للقصيدة فنية الإبداع
إن قصائده أشبه بفضاء ضبابي يتمتع بحركة مستمرة في المدّ.مغلف بالقلق، محاولا تنظيف القضايا مما عَلِق بها من الخطايا والإخفاقات ،
بلغة ما بعد العدم. في صور لا تقبل التشكيل.لشعره جاذبية مثل الغيوم،كلما وصلت إلى غيمة،سرعان ما تكتشف أن أخرى تبوح بما خفي منها.وهكذا تستمر الصور المتمزقة.
في إنعاش النصوص وكسر قواعد اللعبة لتخبرنا بألم الشاعر. إنها الطاقة التي يتحملها فينتج عنها المزيد من الدراما اللغوية دون الحديث عن العذاب نفسه،فالقلق لم يعد بالأمر المخيف،بقدر ما كان يعاني من هبوب تلك الريح السوداء بداخله، رياح الشعر الهادر.
الشعر هو كل ذلك الغبار الفضي الذي يتساقط،دون أن يسوخ الأفكار بل يصقلها.
نصوص بركات فيض ندوب روح لشاعر حديث العهد بالحروب التي لم تتيح الفرصة ليقارعها لفترة أطول.
لقد عاش شاعرنا حياة قصيرة جدا، لكنها مكثفة في شاعريتها ورمزيتها وبانفراد شخصيتها، شعره مخالب  أسد مقاتل منحه قوة التحمل من خلال ما تولدّهُ حركية كتاباته.
كان من الشعراء الدين يحولون اللغة إلى حقل التأمل، فيتصاعد فعل الدوال في بناء النص. والى نزعة تبحث عن لغة تعتمد معجم الحياة اليومية المعاشة.
بهذا المعنى تكون قصائد أحمد بركات مفيدة كتجربة في المكان والزمان.
أبدا لن أساعد الزلزال
كأني أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم
الأشياء الأكثر فداحة:
قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة
والأسطح القليلة المتبقية من خراب البارحة
حذر ، أخطو كأني ذاهب على خط نزاع
وكأن معي رسائل لجنود
وراية جديدة لمعسكر جديد
بينما الثواني التي تأتي من الوراء تقصف العمر
هكذا
بكثافة الرماد
معدن الحروب الأولى تصوغ الثواني صحراءها الحقيقية
وأنا حذر ، أخطو نحوكم وكأن السحب الأخيرة تحملني
أمطارها الأخيرة
ربما يكون الماء سؤالا حقيقيا
وعلي أن أجيب بلهجة العطش
ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم
علي أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار
مقبلة من ليال مقبلة حتى أشيخ
وأنا أجتاز هذا الجسر الأخير
هل أستطيع أن أقول بصراحتي الكاذبة : لست حذرا لأنني
أعرفكم واحدا واحدا ؟
لكن ، أين أخبئ هذه الأرض الجديدة التي تتكون في عين
التلميذ ؟
وماذا سيقول المعلم
إذا سأله النهر ؟
حذر ، ألوح من بعيد
لأعوام بعيدة
وأعرف – بالبداهة – أنني عما قريب سأذهب مع الأشياء
التي تبحث عن أسمائها فوق سماء أجمل ولن أساعد الزلزال
فقط ، سأقف لحظة أخرى
تحت ساعة الميدان الكبيرة
هناك العربات تمر بطيئة
كأنها تسير في حلم
هناك قطع الغيم في الفضاء
لا تشبه سرب طائرات خائفة
هناك امرأة تقترب من الخامسة مساء تنتظرني
سأذهب عما قريب
دون أن أعرف لماذا الآن أشبه الحب بكتاب التاريخ
أحب
أحيانا أتوزع قبائل تتناحر على بلاد وهمية
أحيانا أضيع.
/  شاعر وكاتب مغربي


تعرية الواقع في كتابات الروائي محمد زفزاف


1945 ميلاد رؤيا قصصية وروائية إستثنائية، 2001 رحيلها عن هذا العالم، لم تعمر طويلا لإغناءالإبداع المغربي المعاصر، ودعتنا في صمت كما ولدت في صمت، تاركة (بيني وبين نفسي) و ما تحمله من هموم، و (لا استطيع أن أتكلم) بما تحمله من دلالات.
بيني وبين نفسي
حديقة من حجر
من التين والرماح ومواء القطط
من المسافات وخوار الثيران
بيني وبين نفسي
عالم من العرب
من المجلات والخرائط، آه، يا إلهي
((لا أستطيع أن أتكلم)).
أستعين بالملايين الملكية
لفتح ثقب غرائب
لصرف شيك بلا رصيد
لبناء عمارة عالية
في أحلامي
للسقوط في صحراء الحدائق
يا إلهي
((لا أستطيع أن اتكلم)).
محمد زفزاف
اذا فارق الحياة مبكرا فإن روحه لا زالت تسبح بين ثنايا كتاباته، تحاور كل من أراد الغوص في أعماق مجتمعه ليعرف قساوة إقصاء طبقاته المسحوقة بلا زيف أو نفاق ولا مزايدة.
كتابة كاشفة أبعاد المعتركات الاجتماعية و الثقافية والسياسية، كأنك في قراءتها تتابعها في شرائط وثائقية تحمل تمردا صامتا، هي شرائط رصد. رصد لكثير من مظاهر الزيف التي كانت تغرب و تغيب الحقيقة وتصنع الوهم.
محمد زفزاف لم يستعمل ادوات وادوار الدعاة والمناضلين و المصلحين الاجتماعيين، بل ترك للقارء أيا كان مفكرا أو مثقفا أو سياسيا، الحكم على الصور المقروءة. استعمل الاستفهام والسخرية والتعرية حيت لم تسلم شخصيته هي الاخرى في (رسائل أصوات اجنحة). حيت عبرعن واقع الشاب التائه في غابة البحت عن نفسه و مسار طريقه.
• على وجه الشاب العربي ابتسامة، وعلى وجه البنت شيء. وجه الشاب قد تعود ان يبتسم أمام العدسة حتى ولو كان في حالة حزن. لقد تعود ذلك. وهذا النوع من المواقف المحرجة التي أصبحت بالنسبة إليه سيئة للغاية.
• أما هو فصدره يبدو منتفخا، ويمكنك بسهولة تتخيل ريش ملون على جسده. ريش منفوش كالديك الذي انتهى لتوه من معركة حامية من أجل رغبة جنسية ضد دجاجة ضعيفة.
كتابة لم تكن هدرا طوباويا تخطاه الزمن. لأنه كان يعرف حقيقة النخب على اختلاف مللها و تلويناتها. لم يرفع الشعارات التي طرحت على نطاق واسع، بل كان ضمير المجتمع وهمومه في آن واحد. فاطلقت عليه صفة المثقف الذي أصر على ان لا يموت الا وهو مرفوع الرأس. لأنه لم يكن مراهقا سياسيا ولا كاتبا منفعيا. إنك لا تجد في كتاباته رائحة خدمة هذه الجهة أو تلك.
و خاطئ كل الخطاء من يتوهم أو يظن أو يكتب أنه أعطى حكما على الفترة التي عاشها.
ليس سهلا ان تتخلى عن مواكبة قراءة كتابة كاتب من طينة محمد زفزاف خاصة إذا كنت من جيله. جيل سبعينيات القرن الماضي. وأنا واحد منهم تابع كتاباته متمعنا في طريقة سرده، وذكاء تفكيره ونظرته الثاقبة للحياة والأحداث في فترة من أصعب فترات المغرب الحديث.
أذا كان كاتبا وروائيا مميزا فهذا لا جدال فيه. لكن ما يثير الانتباه، هي طريقته التعسفية و الجريئة قد يعدها البعض بالفوضوية. سرد بطريقة أدبية جميلة يبرز من خلالها عدة ظواهر مجتمعية شاذة، وأخرى جد قاسية فاضحا المستور، مكسرا فيها حاجز الصمت، صمت المسكوت عنه والمواضيع المحرمة.
(الجفاف)
• ومن أين يحصل العسكر على الماء؟
• إنهم عسكر، يحصلون على كل شيء. الدولة توفر لهم كل شيء.
• إنهم محظوظون.
• انا لا أثف في البشر كثيرا. هل لايزال يتجوز ويطلق باستمرار؟
• ولماذا تسألين عنه؟ هل تريدين أن تتزوجيه؟ دحرجي معي هذه البراميل وأغلقي فمك.
إنها طريقة مميزة تفوح من ثناياها لغة سرد تستجيب لهوس القارئ المهتم بالاطلاع على حالة الإنسان المغربي ومعاناته مع نفسه و محيطه ومع المستعمر و الدولة في تلك الحقبة.
( المشلول والزانية)
• لا يمكن أن يكون عاجزا إنه مشلول القدمين وباقي جسمه سليم، الزيوت المسمومة شلت أقدام كثير من الناس ولم تشل سيقانهم أو أفخاذهم أو باقي أجسادهم.
• لاشك أن زوجها يتاجر في الكيف
• إنه يتاجر فيه بالفعل، رغم أني لم أراه مرة واحدة يدخنه.
• كثير من تجار الكيف لا يدخنونه.
إن جوهر كتاباته هي الصورة في حقيقتها، الجهل والفقر و الاستغلال و الظلم والقهر، ممثلة في عدة كهوف مظلمة في صراع مع بعضها في زمن لا يرحم.
حكيه صور تحاور الحقيقة بطريقة خاصة، ما لم يستطيع أي كاتب يحيك خيوطها كما حاكها محمد زفزاف لأنها اكتست عدة دلالات اجتماعية و إنسانية. أعتقد جازما انها وثقت فثرة من الحياة المغربية بدون تزويق، بعيدة أي أفكار ايديولوجية. لان نفسه لم تكن تركض وراء الشهرة والمال.
/ كاتب من المغرب

ديوان بكر الخطايا

تجليات المنفى واليتم في ديوان “بكر الخطايا” للمغربي العربي الحميدي

على سجعيتها وميل خطابها إلى معجم الغموض المقبول ، تظل تجربة الشاعر المغربي العربي الحميدي، تشكل علامة فارقة في المشهد
الإبداعي العربي ، نظرا لالتزامها بالقضايا الإنسانية،وذودها عن منظومة من القيم التي تحاول رفع الحيف والظلم ، عن كائن الألفية
المثقل بشروخ الذات وانكساراتها وانعزاليتها.
يكثّف شاعرنا، مفردات الانتصار للروح الإنسانية ، خاصة وأنه عانى اليتم وكابد متاهاته ، كون كذلك امتحانا إنما يصنع من الذات حالات
وجودية قائمة على الاستثناء ، ومحاولات ترع الثغرات والفراغات التي قد تتسبب بها معاني الفقد.
يعكف صاحبنا على القصائد التي تترجم معنيي الفقد و المنفى، مغترفا مما يحيل على أفق الابتكار في اللغة والصورة والدال الإنساني ،
مثلما أسلفنا.

كما أنه يجدف، عبر فعله الإبداعي، ما بين نزعتين رومانسية وصوفية، تعكسان، عموما، مواقفه من الذات والعالم والغيرية والحياة.
بحيث لا يمكن القول إن كتابته ذهنية صرفة، بقدر ما هي والجة في تخوم الغموض المشروع الذي تمليه أبجديات معاناة مركبة، في
بعديها الفلسفيين، ترسم ملامحهما الثرثرة الواعية ، المحكومة بآني الانشطار مابين انشغالين، أيضا: اليتم والغربة الداخلية أو الروحية.
نطالع له في إحدى مناسبات الدندنة المصطبغة بنوتات الفقد، قوله، على مضض:
بين حَفَيف أَوْرَاق الضَّجَر أَبْحَث عن ظِلِّي فِي بَسْمَة الْقَمَر. أيها الرَّاحِل نَظَرُك أَصْبَح أَسِير الصُّوَر. شاردا في فلك الْجِبْت يُحَدِّث رَتَابَة الْأَيَام رُفْقَة السَّهَر. أَمَرَ النُّهَى كُنْ أَنْتَ لاَ الصَّدَى.
إنه عبور حياتي قلق ومنذور لأسئلة الشك ،وزوائدها من هواجس وجودية تشوش على إغداقات التوازن النفسي ، وهوية الإنساني ،
في أكثر من صورة وقالب، مستجلب للرّنة الكونية الطافحة بالرؤى الرمادية المتمردة.
كما نقرأ له، كذلك، في موضع آخر، تفجر تيمة الحلم، وإن في صورته الجنينية، الحلم كبوابة إلى المشتهى، خلف طور الانكسارات
والتشظي الذاتي القاهر، يقول :
مَا نَفت الثَّرَى في مرقد يَشْتَى. هذا الذي أنا يَجْرِي خلف رَقْطَاء تَسْعَى في محيط الغيب لا يُرَى. جنين حلم يتوارى وراء الشفق إلى حفرة المأوى.
لعله الخوف من المجهول، يملي وصاياه هنا، ووجه القصيدة، فيما يتم تحقيق المعادلة الإنسانية المفقودة، عبر تلكم الحِلمية المنتقصة
من ظرفية الصمود الجزافي، غير القادر على لمس الجوهري في هوية الكائن ومغازلة وجوده، بما قد يغير مجرى التاريخ ، ويمحق
هيمنة أخطائنا الممارسة عليه.
ويقول أيضا :
صمت الجنادل يزدري صُمّ الحجر. من ضنَكِ الْأَقْدار تُحْرَقُ الْأَشْعار حين امْتَصُّ ملح حَلَمة الأَبْكَار. يغمغم السحاب من وَشْوَشَة شفاه رياح عاشقة، ضيعها السفر، ونجوم تُقَطِّر النَّدَى صُبْحاً بعد عذر غَيْهَبِ هَطْل المطر. كَشَيْبِ نَخْلَة النجوم فاضت على دَيْجُور.
هكذا نلفيه ، يلوذ ببرزخيته ، تضميدا لمعاناة مركّبة تشطر الذات، وتسوّد صفحات الحياة والوجود، لكن من زاوية انقلابي ومناضل، لا

يستسلم، يفتح كوة للحلم، يختاره في جنينيته ويحاول إحاطته بالعناية المتوجبة والرعاية التامة، عساه يحصل بالنهاية على الدماء
الجديدة، المسفة بقلب المنظومة الذاتية والوجودية ككل.
نقتبس له كذلك قوله :
وِهَادٌ تولد. وأخرى تعاود الميلاد. أنا عابرها. أهواها حين تتوالد يرقاتها داخل شرنقة الْجِوزَاء. وأكرهها حين تتآكل أخرى في بَطْنِ الْجَفَاء. التيه وحش يلبسني من تردد مَزِيج الضحكات بالصرخات. حين تجف المعنى في حلق الكلمات.
له في كل موقف كتابة جديدة ، مزهوة بشعرية الإنساني ، عبر تجديد معانيه ،رموزا وصورا ودلالة ، فهو لا يكف عن الخلق والابتكار
في ما يدرأ عنه معرّة استنساخ الذات واجترار المتقادم ، حتى على امتداد خرائطية النص الواحد ، نجده يغرق في توليد الدوال ، ومنحها
تصاعدية وتناسلات تحقق مثل هذه الأغراض المترنة بروح الشعرية المنتصرة للهوية الإنسانية ، بدرجة أولى.
وفي موقف آخر، طاعن بلذة الإبحار في النرجسي، ومباهيا بلغة البياض، ومعتنيا بشعرية ماهو جواني ، مختزل في مركزية الذات ،
نقتطف له المشهدية التالية ، إذ يقول :
وأَلْبِسِ الْهَمَّ الصَّمْت داخل الذات. الحزن إِنْ رَأَى عَوْرَتَه رَكَضَ وراء عُرْيِ ظِلِّه في وديان العدم. على وجه السحاب كَفِّن الْيَأْسَ بحَالِكِ غُبَارِ الْعَدَم وأعْتَزِلْهُ فِي بَكَرَةِ الْأَمَلِ لِتَرىَ ضَحِكَ الصُّبْح يَرْشِفُ دُمُوعَ بُكَاءَ الْفَجْرِ.
إنها خلفية غامزة بازدواجية الهوية الوجودية ، تقرّ بها قصائد الشاعر المغربي العربي الحميدي ، تتقنها الديباجة الفلسفية ، الرافلة
بلبوس تقاطعات سمعية ــــ بصرية ، مخوّلة للتفشي السلسل، وإن نعت بالغموض، لخطاب متقلب ومحاصر بأسلوب مزاجي صرف ،
انجذابا لنزعة صوفية ما تنفك تؤجج أسئلتها ، في العمق توليفة اليتم والمنفى ، في حدود جوانية ، تروم ولادات ثانية قد لا تجود بها
سوى كتابة بهذه المعيارية وعلى هذه المقاسات التي تلامس سقف الذهنية ، دون أن تنخرط في تجاويفها أو تتورط بتيماتها.
هامش :
(1)مقتطف من نص « كن أنت لا الصدى» .
(2)مقتطف من نص « حنين المأوى».
(3)مقتطف من نص « كشيب نخلة».
(4)مقتطف من نص « عروج الرغبة «.

(5)مقتطف من نص « بخار الظن».
شاعر وناقد مغربي

الكاتب : أحمد الشيخاوي

شعرية اليتم في المنجز الشعري للمغربي العربي الحميدي

“هي متعة اللعب فوق أسوار الكلم” (1)
يمكن اتخاذ هذه العبارة مدخلا إلى عوالم هذا الشاعر، الذي يكتنف ممارسته التصوير الفني،و التكثيف البصري، مدّ خارطة للبوح،في اعتقاد الذات بالفضاء المطلق واللانهائي واللامحدود.
كتابة وإن اعتدّت بالغموض، تظل مقبولة، ومنذورة للتعرية والكشف عن ماورائيات اللون فيها، بدرجة أولى.
نستحضر العبارة أعلاه، والتي استهللنا بها هذه الورقة، بما يفيد دوال الكلم، منظومة ما تحيل عليه من كتابة يعتريها النقص المقصود،المتوقف على بياضات التأويل.
تلكم دوخة الفقد الملازمة لصيرورة الإنكتاب، نصا وزمكانا، مثلما يشي بها الإهداء، سواء في الباكورة” دموع الكرز ” طبعة أولى 2018، أو مجموعة الموسومة ” في صمت ” الصادرة عام 2019، عن غاليري الأدب.
[إلى سيدي
الألم يحضرني ليلا حين ينام النذلاء
أنت الخالد وهم الهالكون.].
ومن ثم، نحن إزاء ذات تكتب بفوضوية، تهدم كي تقيس مستويات الجرح المثقلة به أناة، أنتجها الفقد، وهكذا ذلكم الانعكاس على ما ينبثق منها، ليلف في الأخيرة دورة حلزونية، عائدا إليها كمركزية لليتم والفقد، هي الأليق، بمثل هذه الضبابية الناذرة،مثلما تتولّد عنها قصائد القتامة واللعنة الأبدية التي تلبس عالما بأكمله.
يقول مصطفى لغتيري في تقديمه لثاني دواوين المبدع العربي الحميدي:
[وتمضي القصائد على هذا المنوال محاولة أن تجعل من الصورة الشعرية ركنا مكينا في كتابة الشعر، منسجمة في ذلك مع منطق العصر، وخاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر،التي لم يعد الإيقاع يغريها، بل أضحى المعنى العميق والمستغلق عن الفهم ضالتها، وقد وجدت في المجاز بغيتها فأغرقت به القصيدة].
نطالع له :
” أفتقدك
عندما أتنفس
تحت
ضوء القمر
والحب ممر
وليس للإقامة
ضعف
وليس فقر في الإيمان
شعاع حبك
عندما
ترسل النجوم الشهب
احتفال في ضيافة الظلام
روحي مثل شجرة
تسبح في السماء
والدموع جذور
تسير في الأرض
حزني السري
قطرات حب
على قبر قلبي
أوراق خضر
الموت
ليس له آذان](2).
وأيضا :
كيف ألاقيك والزمن وصول بعد علة الروح وجسم اعتلاه الذبول سيدي لم أعد مهرا تخشاه الخيول أدنو منك بعد عيشة تطوي ظهر الوعول أهي النهاية أيها الموت يا حاكم الفصول.
لذلك فهي كتابة قابلة للإضافة، يبكي فلك الفراغ، وكل ما ترجم به من رسائل مغلفة برمادية الكلم، عبر متاهات التشظي، الناجم عن أحاسيس اليتم، ينمّ عن دعوة للارتقاء بالذوق، لاشرئباب الرؤى،كي تعانق موسوعيتها، على النحو المسعف بنسج ملامح كهذه جنائزية ومرثاة.
صحيح أنك سرعان ما تكتشف،إبان استكناه كهذه تجربة تنزع إلى دوائر الخفي والزئبقي والنافر، ما يشبه العبث داخل حدود اللعبة الكلامية، بالخيوط الناظمة، ولكن ضمنيا يتضح لك العكس، وتكون محظوظا متى اصطدمت،بلازمة تزكي هذا التناسق والتسلسل التيمي، يربكك دفق الإيقاع البصري، المانح لهذه الشعرية روح الانغلاق على فلسفة الفقد.
يقول صاحب مقدمة ديوان ” دموع الكرز “، أحمد الرجواني :
[ومن خلال عناصر اللغة والأسلوب والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف، تبدو لنا جلية أهمية ديوان ” دموع الكرز ” الذي نعتبره إضافة نوعية مائزة في التجربة الشعرية المغربية الحديثة، لأنه إذا كان من الوفاء للشعر في العالم كله وبكل اللغات ارتكازه على مقومات اللغة والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف،فإن هذا المؤلف يستجيب لكل هذه المقومات،ويضيف إليها مسحة غربية في التعاطي مع الموضوعات الذاتية المنفتحة على الروح كأفق انتظار انعتاقا من كل تيه يؤدي إلى الانكسار.].
بل أحسبها كتابة منبثقة من رحم الانكسار، وهذا ما يبرر غموضها، ومحاولات تعويد المتلقي وترويضه على نبذ الجاهز من معاني الذات والحياة .
وحتّى أنسنة عناصر الطبيعة والجمادات، لدي شاعرنا، تتم على هذا الأساس،وضمن هذه القوالب، وتجود بها كهذه صياغات،لا تعبأ بالمتلقي، فقط تتنفس فضاءاتها،مزهوة بالملمح النخبوي، محرّضة على الارتقاء ذوقا ورؤى.
نقرأ له المقطع التالي :
يتسلق صدري لهيب يندلق أحزانا عتّقن بلظى الجحيم صاعدة إلى الأفق اليقين غريقا تُركت داخل غرف موتى أوهام البرج اللعين.
وقوله كذلك :
“إيرينا” رؤيا بين الظلمة والنور فقأة شمس الخريف عذابا في أرض الريح هوس بطعم الماء والملح صعودا / هبوطا تنهيدة الكلمات ببحّة البكاء.
بذلك، يكتمل نسج المرثاة، أو البكائية، تأسيسا على ذاكرة الفقد، ليكون هذا الرشق ببضع من تفاصيل المعاناة الموشومة بلغة العبور .
قرين يتكرر في النصوص،مانحا زمان ومكان البوح قتامة، مستجلبة لمعجم الغموض،ومستفزة بمقامرة نبش المتون،وغضّ الطرف عن غوايات الهامش، بغية القفز إلى بؤر المعنى،حيث الظل الآخر لذات تثمّر معطى الانكسار،وتشاكس أبديات تصريفه إلى متنفّس وأفق بعثرات واختناق وخسائر وجودية أقل.
الانكسار المعشش في راهن تهيمن عليه ذاكرة اليتم ويستسلم بالكامل، لسلطة اليتم وجبروت نوباته.
احمد الشيخاوي – شاعر وناقد مغربي

الأمل على الجانب الآخر من اليأس نزيف الحلم في شعر العربي الحميدي

امين دراوشة
تحوم الوجودية في أجواء قصائد الشاعر العربي الحميدي، فالشاعر من خلال شعره صور يأسه وقلقه الساكن في أعماقه، يقول رائد الوجودية كير كجور: إنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يخلو من اليأس، فلا يوجد إنسان ليس بحالة يأس بطريقة أو بأخرى، “ولا يوجد موجود بشري تخلو نفسه تماما من كل أثر للتمزق أو الازعاج أو الضجر أو اليأس أو الجزع أو أي صورة من صور التمزق الباطني”. (1) ، وكما إن الإنسان يمضي قدما في حياته الاعتيادية وهو يحمل جرثمة المرض البدني في داخله، فهكذا اليأس مرض الروح، وقد تبدو هذه النظرة عند الكثير من الناس، نظرة مبالغ فيها وقاتمة وكئيبة ومتشائمة، ولكنها ليس كذلك، فهي “تحاول أن تلقي الضوء على موضوع يترك عادة في غموض وظلام. وهي ليس كئيبة…هي نظرة علو وتسام ما دام تنظر إلى كل إنسان من زاوية أعلى مطلب فيه وهو المطلب الروحي”. (2) أما القلق فخاصيته الأساسية أنه أنطولوجي، “لا يمكن أن تشتق من شيء آخر بل هو يعبر عن نسيج الوجود الإنساني نفسه”. (3) وهو بذلك كما اليأس لا يمكن أن يهرب منه إنسان، وهو دائم الحضور، حتى أن كيركجور يقول: “إن غياب القلق هو علامة على القلق. وإذا ما ظن إنسان ما أنه قد تحرر من القلق فليكن على ثقة تامة أنه يخفي القلق في أعماقه، يخفيه عن نفسه من خلال قلقه على القلق! فليس ثمة حالة يغيب فيها القلق”. (4) ويرتبط القلق بالمستقبل وامكانيات الذات وحرية الذات، لذا دائما ما كان كيركجور يركز على أحد هذه الموضوعات في تعريفه للقلق، يقول: “ما القلق..؟ إنه اليوم المقبل”. (5) أما العلاقة التي تربط القلق بالامكان، يقول: “إن القلق هو الامكان المتوجس للوجود الممكن”. (6)
وركز كيركجور على ارتباط القلق الوثيق بحرية الذات، يقول: “القلق هو إمكان الحرية. –ويقول أيضا- إمكان الحرية يعبر عن نفسه في حالة القلق”. (7)
وهذا يعني إن المستقبل والامكان والحرية مفاهيم ترتبط مع بعضها البعض ارتباطا لا فكاك منه.
وأجمل تعبير عن القلق، ويوضح حالة الإنسان وعلاقته مع وطنه، قول كيركجور عنه إنه “نفور مع تعاطف، وتعاطف مع نفور”. (8) وهذا يشبه ما قاله الشاعر في قصيدة “يا شامة المشرق”:
“أعشق الوطن
وطني
ومن الأذى
كرهت موطني.
…….”. (9)
واليأس والقلق يؤديان إلى الاغتراب، الذي ينتج عنه الرفض والتمرد على التخلف الحضاري العربي، وضياع الهوية القومية والوطنية وتلاشيها في ظل صراع العالم العربي فيه ضعيف وهش ولا حول له ولا قوة.
يقول الشاعر في قصيدة “قنن الدمس” عن حالة الخواء التي تجلل الوطن الكبير:
” محنطات الفكر
كثرت في الماضي
واليوم
تكلست بغبار الغباء
فكر راكد
علب منتفخة
من الجمود اعتراها الصدأ
قلب مستنقع
ريح عكرت الأجواء”. (10)
فأيامه الحلوة ذهبت ولن تعود، ولم يعد شيء يجدي في هذا الوطن الخراب، يقول في نفس القصيدة:
“مرضى أنفس
قنن ليس لها دواء
لا زمزم استطاع تنظيفها
ولا ترتيل آيات ترويضها
حتى
نوائب الأيام لم تفلح”. (11)
لا شيء في الوطن غير المرارة والخيبة، يقول في قصيدة “في صمت”:
“أسراب نوارس…خيوط الحزن
ترقص على ردفة المحيط
حزن يرافق حزن”. (12)
لا شيء مفرح يبقى، والحزن فائض، ويثقل على النفس ويخنقها، ويذهب بالشاعر إلى التشاؤم من الغد يقول في قصيدة “لا ربيع”:
” ………
سباحة في نهر الألم
شعور راكد
في كل شيء
هي أعماق المحيط
والعمق عميق
يختزن الحزن
طريق لن ينتهي ابدا
مدام في بلدي
ضباب
دموع جافة
من
رؤية العدم”. (13)
إن اليأس والقلق والحزن عوامل سلبية، قد تصبح إيجابية إذا الإنسان وعى آليات التخلص منها، لأن ذلك يمنحه دافعا قويا للبحث عن حياة جديدة تولد من رحم المعاناة.
يقول في نفس القصيدة أن الموت هو الشيء الحقيقي في وطنه،
“يأس آت
من سماء مظلمة
يطول الحزن
من خلال النظر إلى النجوم
تحاول أن
تتجدد الروح
في الضفة الأخرى
لترفع الظلمة
عند تصفح أوراق
الموج
هناك الموت
جالب الخراب” . (14)
يحس الشاعر بالجرح والضياع، والرؤية غير واضحة المعالم حتى أنه يتسأل “من أنا”، يشعر بالوحدة والخسارة والخيبة والخوف والآسى، يقول في قصيدة ” الرحلة الهيماء” :
“داخل عبوة فراغ
وِجْهَة
بلا عيون ولا شفاه
مَدْفن
تَنْوِيمة أجيال
انهكها الوهم
من زَيْفِ نور”. (15)
يلتهم الوجع واقعه، ويمشي صوب حلمه ينقره في مخالبه القاسية، يقول في قصيدة “ظلال الشفق”:
“هي
مشاعر انهيار
تيه معلق
على
جسر مشقق”. (16)
يعيش في جحيم الضجر والسواد والخواء، ويضيف في نفس القصيدة:
“يبهت ظلي
تحت حلمي
لم أعد أراه
المكان فارغ
نهاية عشق
فراغ يحمل الفراغ
فراغا
في ليلة غبشاء
وفاة قمر”. (17)
والوفاة هنا تعبر عن الظلام، وانعدام الرؤية والتخبط، وحتى لو حاول أن يخرج من دوامة السوداوية، فأن الهم يقعده، يقول في قصيدة “الحرف الجائع”:
“إن رفعت الرأس
يركعه الهم بالسوط
من جديد”. (18)
فهو يعيش وسط أمة:
“صحراء
بلا واحة
محيط
بدون ماء
أمة جافة”. (19)
فما هو الحل للقلق واليأس والمخاوف أهو الرحيل عن الوطن، ولكن السفر ليس سهلا، كما أنه لن يحل الشعور بالقلق واليأس يقول في قصيدة ” أشجار ضاقت غلل”:
“أبكيك يا راهنا
من جدب الجبال القِحال
أرى
على ضفاف الأمل
أجثثا
غرقى قوارب الهجرة
تذوب بين أسنّة الرّمال”. (20)
هل عليه أن يرضى بالأمر الواقع، ويستسلم له، ويقبل مصيره طائعا؟ يقول في قصيدة “في حضرة الانتظار”:
“أعلى النموذج
كيف ألاقيك
والزمن وصول
بعد علة الروح
وجسم اعتلاه الذبول
سيدي
لم أعد مهرا
تخشاه الخيول
أدنو منك بعد
عيشة
تطوي ظهر الوعول
أهي النهاية أيها الموت
يا حاكم الفصول”. (21)
وعندما يعجز عن الاستسلام، يلجأ إلى شجرة الزيتون رمز الخير والمحبة والأمل بغد قادم، يقول في قصيدة “كشجرة الزيتون”:
“……
السبب
في أمل العيش
شجرة زيتون
وماء
بين الجذور
يمكن إحياء شعوري
نوع من وعد الحياة
ثورة الأشجار”. (22)
لا شيء يعيد الوعي المفقود إلى الوطن، ومسألة العدالة التي شغلت تفكيره لا تتحقق. ويشعر الشاعر بعدمية ذاتية وموضوعية نتيجة تحطم الأحلام، وعجز الوطن على الوقوف على رجليه والتقدم إلى الأمام…
يحاول الشاعر بكل السبل الوصول إلى بر الأمان، ولكن دون جدوى، حتى الثورة انحرفت عن مسارها ولم تؤد إلى شيء، يدفعه الألم والخسارة، وسنوات الضياع في السجون والتيه في الوطن والغربة إلى شهوة لا خلاص منها، تقذفه إلى المستقبل، وهو يحمل وجعه وإيمانه، يقول في قصيدة “انتظار الولادة”:
“لتقذف بي
برغبة
معصوب العينين
إلى
ضوء خافت
رحلة ولادة
ولادة روح جديدة
بدموع وصلاة!”. (23)
تقول فدوى طوقان: “الشك والارتياب في حكمة ما يحدث لنا، حقائق الحياة وحوادثها التي تدحض القول بوجود العدالة، ثم هذا الحنين الأبدي في النفس إلى الاستسلام المطلق، كل هذا يبعث فينا إحساسا دراميا داخليا، ويثير فينا صراعا لا ينتهي بين الشك القلق الحائر وبين النزوع إلى اليقين والتشبث بالإيمان الضائع”. (24) ويصل الشاعر في النهاية إلى تساؤلاته عن بذرة الثورة والأمل القادم، يقول في قصيدة “دموع الصيف”:
“سألت
هل هناك أحلام اخرى في قلبي؟
تذكرت
قلبي قال
حتى الصحراء لديها الزوار
وبعض الزهور هناك”. (25)
بالإيمان والثورة، يمكن فعل الصواب، وتحقيق المراد، هذا ما يصل إليه الشاعر، وينطلق الشاعر إلى الفعل، ويشرع يدق على باب الخزان المقفل.
فالشاعر على وعي كامل بذلك الترابط الذي يجمع العدمية مع الهزيمة، وكان يملك الوعي الكافي ليشعر بقسوة التعاسة، وحياة الشقاء الذي يهبه عدم الإيمان بالغد، واللايقين.
لذلك وحتى يضع حدا نهائيا للتمزق والضياع والألم، فأنه يتخذ “من (الإيمان بالضرورة) حلا عمليا”. (26) متماثل مع كيركيجور.
إذا كان القلق هو علاج القلق، واليأس علاج اليأس كما يقول كيركجور، فأن الإنسان الميت في نفسه وعقله، “يصبح القلق الروح المنقذة التي تقود الإنسان إلى حيث يريد..”. (27) قلق يطهر النفس والأجواء، قلق لا متناهي لا يزول إلا بإيمان لا متناهي، إيمان سيعطينا الرجاء كل ضد رجاء.
وكأني بالشاعر يقول لنا في ديوانه الشعري كما قال كيركيجور: “اندلعت النيران في شيء لا يمكن أن يحترق،…اندلعت داخل نفسي…!”. (28)
إن الشاعر في تنقيبه في ذاته خرج من جزئيته واستحال إلى نفس كلية، وتبنى فلسفته القائمة على الدعوة للاستيقاظ من عالم النيام، “أن عملية التنقيب في النفس في حد ذاتها إثراء للنفس لأن التنقيب أولى الخطوات لاكتشاف أغوارها وحدودها”. (29) كما يقول الفيلسوف هيرقليطس.
ورغم كثرة الألفاظ التي تدلل على القلق واليأس والحزن والألم…إلا أن القصائد أيضا تجد لها مكانا لكلمات كالنور والربيع…مما يوحي إن الشاعر ينتصر للحياة والمعرفة، ويسعى صوب الغد وهو يملك الأمل البراق في مستقبل لم تتضح معالمه بعد.
الهوامش
1- إمام عبد الفتاح إمام، كيركجور، دار الثقافة، القاهرة، ط1، 1986م، ص 305.
2- المرجع السابق، ص 305 .
3- المرجع السابق، ص 341.
4- المرجع السابق، ص 341.
5- المرجع السابق، ص 343.
6- المرجع السابق، ص 343.
7- المرجع السابق، ص 343.
8- المرجع السابق، ص 344.
9- العربي الحميدي، دموع الكرز، مطبعة وراقة بلال، الدار البيضاء، ط1، 2018م، ص 103.
10- المصدر السابق، ص 152.
11- المصدر السابق، ص 152-153.
12- العربي الحميدي، في صمت، مطبعة وراقة بلال، الدار البيضاء، 2019م، ص 90.
13- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 83-84.
14- المصدر السابق، ص 84-85.
15- في صمت، مصدر سابق. ص 100.
16- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 14-15.
17- المصدر السابق، ص 15.
في صمت، مصدر سابق، ص 52.
18- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 35.
19- المصدر السابق، ص 55.
20- في صمت، مصدر سابق، ص 52.
21- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 140.
22- المصدر السابق، ص 72.
23- المصدر السابق، صر 21.
24- فدوى طوقان. رحلة جبلية..رحلة صعبة، دار الثقافة الجديدة، سلسلة الأدب الفلسطيني، القاهرة، طبعة خاصة، 1989م. 212.
25- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 36.
26- غسان عبد الخالق، تأويل الكلام، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2007م، ص 52.
27- إمام عبد الفتاح إمام، مرجع سابق، ص 366.
28- المرجع السابق، ص 291.
29- هيرقليطس، جدل الحب والحرّب، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1980م، ص

Page 1 of 2

Powered by WordPress & Theme by Anders Norén