I shed my tears; my tears – my consolation; And I am silent; my murmur is dead, My soul, sunk in a depression’s shade, Hides in its depths the bitter exultation. ( Alexandre Poushkin )

Category: مقالة

مقالة

الفكر الإقصائي في الثقافة العربية

هل فعلا نحن نعيش في مجتمعات تقبل هوية الاختلاف الفكري في شتى اشكاله؟
هل ثقافتنا ثقافة التقاطبات والتحالفات؟
هل ثقافتنا ثقافة المصالح النفعية؟
هنا لا أريد الحديث عن موضوع الفكر الإقصائي، لأن التاريخ الإنساني حافل بقمع الحريات وخاصة الحرية الفكرية. إن ما كان يحدث للخارجين عن الضوابط الدينية والعرفية والايديولوجية أو التيارات المعترف بها، من اضطهاد و ترهيب وتعذيب مدون في كتب التاريخ. وما. Giordano Bruno, René Descartes, Fiodor Mikhaïlovitch Dostoïevski الا أمثله. أما معتقلات سيبيريا لا زالت آثارها شاهدة على ما عاناه الكتاب والمفكرين.
أما الغرض هنا هو إلقاء نظرة على ما يعانيه المفكر والكاتب والروائي والشاعر من إقصاء في مجتمع عربي (معاصر) لازال تحت مخدر الإقصاء في عالم قطعت معظم الثقافات رأس هاته الآفة العمياء الضالة. إلا أن ثقافتنا لا زالت متمسكة بها.
حين نراجع التاريخ نكتشف عمق الآثار الذي خلفته ثقافة لإقصاء بعد انقسام المسلمون بعد وفاة الرسول، و حينما تحولت الرسالة إلى سلطة بعناوين مختلفة وصارت الحقيقة حكرا على طائفة دون أخرى. إذا كانت جدور ثقافة الإقصاء ممتدة في بنيات الفكر الإنساني، ان المتمعن في حراك الفكر العربي المعاصر يجد أن الاختلاف غالبا ما يدبر بمنطق لست على علم.
لقد اتسعت دائرة هذا لفكر في مجتمعنا الحاضر، و أصبحت عقيدة تكرس في جل الميادين. حيت أصبحت النخبة المثقفة تعيش مجموعات متنافرة وانتقلت العدوى إلى المؤسسات الأدبية والثقافية. إن هذا الفكر خلق تأزما وصراعات داخل المؤسسات وخارجها، مستقطبا المتزمتين والماديين. فارتبكت الرؤى الثقافية
لإحداث نقلة نوعية التي نحن في أمس الحاجة إليها، فكثرت الآراء، واشتد المد والجزر والاصطدام بين التيارات، مما أدى إلى إقصاء كتاب ومفكرين وإبراز آخرين في بعض المحافل والأمسيات والملتقيات الثقافية مع الدعم الواضح ، ولم تنجو المؤسسات والصحف و المجلات هي الأخرى من هاته الحالة التي أصبحت شاده في عالمنا العربي.
إن السؤال المطروح إلى متى سيستمر هذا الحال في إلغاء أسماء لها دور كبير في الحركة الثقافية والأدبية. لابد أن نتوقف عن كتابات إرضائية لأهواء مقابل الشهرة وطمعا في الحصول على الأوسمة و الجوائز التقديرية. أعتقد انه في ضل هاته المهزلة ينكمش شأن الكفاءة في بلادنا، ويصغر الكبار في أعين الناشئة، فتضمحل المواهب و يتخلف الذكاء.
ان إغلاق باب تكافئ الفرص مع التشدق بكلية التعددية مع عدم إعلاء سلطة العقل والقيم الأخلاقية تدفع الأعمال الجادة للارتماء في أحضان المؤسسات والمراكز الثقافية والمجلات و الصحف الأجنبية هروبا من بلدانها المتعصبة التي تدعي أنها متسامحة.
لقد سإمنا الدعارة الثقافية. إن القلم الذي لا يعري انواع الزيف والضلال المعاش، ويتكلم عن حقيقة ما يجري في محيطه. إنه يعيش في مجتمع ثقافي مفكك من جميع جوانبه وستضل قيود العلاقات الشخصية والأسماء العائلية تفرض في عالم شبه عصري، لم يخرج بعد من قوقعته لأن قيود الماضي تكبل حركته الثقافية.
ان ما يصدر عن هذا الواقع المتردي التي تعيشه الثقافة في مجتمعاتنا، هو ثمرة توجيه وتغذية تقوم بها تيارات ومؤسسات فكرية تعبر عن مصالح اجتماعية وطبقية معينة. إذا كان الفكر المتنور ليس كثلة صماء، وإنما هو اتجاهات وتصورات تعبر عن مواقف فكرية متنوعة فإنه بلغ مستوى عال من الرقي حين تحدى الخصوصية. وهذا ما يمتاز به الفكر الغربي.
أما فكرنا فلا زال يساهم في إلغاء لغة الحوار، ويواجه المخالف بالاتهام و الإدانة و المؤامرة ويسمم الحياة الثقافية بالقمع والإرهاب الفكري.
إن المتسلطين على الهيئات الثقافية لم يتركوا المنابر للآخرين، إنه تواطؤ يخرب طريق الثقافة العربية.
إن الإقصاء الفكري والثقافي الذي نعيشه لا يرقى أن نقول إننا مثقفين بمفهوم الثقافة في القرن الواحد والعشرين. فالثقافة التي لا تعمل على بناء التجانس بين المثقفين و المفكرين هي ثقافة عرجاء، ثقافة تهدم و لا تبني…
فما دمنا لا نقبل اختلاف الهوية والرأي والدين فإن المثقف الجاد سيرتمي في حضن الثقافة الغربية التي توفر له المكان الرحب.
/ كاتب من المغرب

تعليق على “غالبية الطواويس المتنزه في الشعر العربي بلاريش” الأسعد الجبوري

“أن غالبية الطوَاوِيس المتنزه في الشعر العربي بلا ريش، يوضح ذلك بقوله ” بمعنى أدق: أن احتكاكهم باللغةَ، نَتَفَ نرجسيتهم نَتْفاً، فتركَ أعمالهم على مائدة الديدان، أشبه بفطائر بيتزا فاسدة الخلطة.”
” بعد الآن لا يُعِدُّ الشِعر ديواناً للعرب الأسلحة أخذت مكان القوافي والأوزان، فأصبحتْ هي اللغةُ الحمراءُ التي تفيضُ بها معاجمُ القراءة والكتابة رقصاً وبكاءً وعويلاً.”
الشاعر أسعد الجبوري (رأي اليوم 04.26.2018)
كَقَارِئ عربي لا أستغرب حين أقرأ لأقلام عربية ارْتَوَت من المعرفة الكونية. إن الطاووس الشاعر أسعد الجبوري بريشة المزركش يعبر عما يخالج كل أديب عربي مغترب في دول المهجر. لأنه حلق بجناحين غير منتوفين في عالم الأدب العالمي، فاسْتَلْهَمَ من الحمولة المعرفية، التي جعلته يرفع المواجهة مع نفسه أولا، تم مع كل الأمور التي تؤدي إلى عجز الكتاب العرب أمام هيمنة الكتابة التقليدية المغلقة، و القصور المزمن في تحدي البناء اللغوي في الشعر خاصة.
إن هاته الميزة التي حَصَّلَ عليها بالممارسة والبحت، والتجديد في العالم الحر للأدب والكتابة، تجعله لا يُنْظَر إليه بعين الرضى من جماعة الضغط أو ما يسمى بالحرس القديم فكريا. كما قد ينعت بالمثقف التنويري العميل، كما يقال عن باقي محاربي الانغلاق والركود والنكوص. إنه الشاعر الرافض لثقافة الصف و المثلية، والشاعر الغير القابل للاستسلام لدوامة كهنة الأنا الأدبية.
من قولته أحاول تفكيك الرموز( البنيرية) إذا جاز هذا التعبير لمعرفة حقيقة تخوف الكثير من المفكرين العرب من التجديد في اللغة الأدبية العربية. وأجرى على نفسي عدة أسئلة قد تكون لها أجوبة مقنعة، وأخرى عكس ذلك.
إذا كان المفكرون وعلماء الاجتماع يعيبون على النظم الشمولية تقييدها للحريات، لأنها تجعل الإنسان ترسانة في آلية المجتمع بما يخالف طبيعة البشر. أليس من حق الأديب أن يعيش في اتجاهات متباعدة ومتباينة واحيانا متناقضة؟
لماذا نخاف من التعددية الفكرية والثقافية؟
لماذا نحب أن يعيش الفكر العربي مكبل، وفي حالة توتر دائم؟
لماذا لا يتفق المفكرون العرب على نهج توفيقي في إشكالية الحسم في حرية الرأي والتعبير و الإبداع؟
أما السؤال الأكثر أهمية كيف يمكن تغيير الصمام الأدبي العربي القديم إلى صمام جديد يتوافق مع الأدب الرقمي لمواجهة التحديات المحلية والعالمية والتغيرات الهائلة التي تفرض على المفكر العربي أن ينمي مفهوم الإبداع لدى الكتاب والشعراء.
يقول الشاعر أسعد الجبوري
“ـ أعتقد إننا لم نعش غير زمن الموت أو الهلاك العدمي .الرواية هنا تتقدم على سواها من الفنون، باعتبارها الصندوق الأسود الذي يمكن أن يحتفظ بجميع تفاصيل خرائط السرد .الشعر لا يفعل ذلك، لأن ذاكرته مقدسة وضيقة ولا تستطيع تحمل المهاوي والتفاصيل والحكي. وعندما يهرب الشعراء إلى الرواية، فليس لأنهم يؤدون دور المنقذ للرواية من الضعف، بقدر ما ينقل أغلبهم فشله الشعري إلى الفشل الروائي ، بسبب الثرثرة التي أصبحت من المحاور أو الأسس التي تتمحول أغلب موضوعات الروايات التي كُتبت من قبل الشعراء. ومن هنا، نجد الروائيين غير قادرين على كتابة الشعر، كونهم من جينات سردية غير قابلة للتحول إلى تلك الانخطافات الشعرية المُتجوهرة بأعمال المخيّلة”
من التجربة الخاصة، بعد قطع الطريق الأولى في الاختصاص الدراسي في سبعينيات القرن الماضي. و في نهاية الطريق الثانية للتسع سنوات الأخيرة من الترحال للبحت عن الذات، بعد المعاناة لعدة سنوات مع آلة دعس الطموح والمعرفة من خلال أنانية الممانعة.
عشت فثرة بعيدا عن كل المتعاليات الفكرية، وغباوة الفهم الأدبية في مجتمع ثقافي لا يرى في الإبداع إلا استمرارية لسلطة الإقطاع الأدبي، حيت الاستبداد يقرر ما يريده دفاعا امتياز أو منفعة.
فمن مدينة موسكو وسانت بطرسبرغ وشوشتي مرورا بورياتيا إلى كرازنيارسك في سيبيريا .
تيقظت واعيتي وتمرست بالتمييز والقياس والتقويم. وصرت كلما أوغلت في الإدراك، أجد في مواقفي صرخة وأحيانا أخرى مناجيا يسأل عقلي للنظر والتدبر. وهاتفا دائبا على تحفيزي إلى قراءة هذا العالم الجديد على ثقافتي، لأقيس كل الأمور المرئية وغير المرئية بنظائرها في مجتمعي.
إن ما أخطط هنا ما هو إلا كما أراه، صدى صرخة الشاعر أسعد الجبوري. داخل دوائر التعليم الذاتي، وأسلوب من أساليب تطوير الذات من خلال التوغل برفق في عالم الأدب الروسي، وفي حديقة الشعراء كألكسندر بوشكين، ميخائيل ليرمنتوف وأوسيب ماندلستام. ولعل الكاتب والشاعر ألكسندر سولجينيسين كان أحسن من رسم في قصائده النثرية ما عجز عنه النثر التقليدي القصصي، وكذلك القصيدة المقيدة بالشروط أن تبلغه. حيت كانت مركزة على المعاناة الذاتية المحضة، من الجمال والقبح إلى حزن الحياة ومرارة الحقيقة. وهنا يظهر كيف تم التجديد والإبداع في القصيدة النثرية في بيئة تتسم روحها بخاصية التنوع و التجديد.
وقصدت كذلك الإتصال بالفنون لاستكمال أدوات الدراسة والتواصل مع أدبيات أشهر الكتاب الروس في قلاعهم ومسارحهم.
إن منهجية أئمة الفكر والأدب الروسي متسلسلة في تطوير الوعي والإدراك المعرفي والثقافي، وفي توسيع دائرة المعرفة من الغرب إلى أقصى الشرق السيبيري بقسوة شتاءه. تاركة آثارها في الحياة اليومية بين جل طبقات المجتمع. معالجة الظواهر الإجتماعية والفكرية والسياسية برومانسية، لكن غير بعيدة عن الواقع رغم قمع الحريات الفكرية مع سطوة الاستبداد. كل هاته العوائق لم تجعل العقل الروسي يرضخ لها. بل حاربها بالقراءة. نعم القراءة، هناك القراءة أسلوب حياة. كما كان في الحقبة القيصرية و الستالينية.
من خلال الاحتكاك بهذا العالم الأدبي الرفيع، أدركت أهمية التعليم الذاتي في حياتي وكيف اثر فيها إيجابا من خلال المصادر المفتوحة والمتوفرة التي اعتمدت عليها. حتى أصبحت مهوسا بالأدب والفن. إن التسع سنوات الأخيرة بين رفوف المكتبات ومدرجات المسارح وزيارة متاحف الكتاب والرسامين وعدة محاضرات كانت أوقاتا من أجل التعليم، ولإدراك ولو الجزء اليسير من المعرفة. كان التزاما بالنسبة لي.
إن التفاعل مع الثقافات من أكبر التحديات التي تواجه المثقف العربي. وبدون التفاعل الإيجابي يستحيل مواجهة التحديات المقبلة.

تعدد أصوات الأنا في التجديد والزماتة الثقافية

إذا كانت الأنا تعيش في سرداب أحرش فان اللغة هي غبارها الاصق الذي يَعْبُر منعرجات أصنافها الشعرية و النثرية في كل الاتجاهات. فالإصغاء إلى الذات  يكون تأثيرها إما مواليا أو معارضا لرغبتها.
إن الصورة عند المهاجر قد تكون غير واضحة أو العكس، وفي اتجاهين. فهو يعرف واقعه في بلد المهجر، ومن جهة أخري فهو يحن إلى بلده. لأنه كان منسجما مع ذاته وثقافته. لذا تطفو لغة الأنا من خلال وصف عالمها الحقيقي المنسجمة فيه مع لقاحات بلاد المهجر.
فيتاح للنص الشعري أو النثري أن يصير ذا تنفس متعدد الرؤى والأقنعة.
وهنأ يطرح سؤال محوري بأي لغة قد تتوفق الكتابة الشعرية أو النثرية عند السارد المهاجر. أهي لغة الشعور وأقصد بها هنا اللغة الأم، أم باللغة الجديدة أي لغة الحديث والعمل في بلد المهجر.
من المؤكد أن المهاجر إذا كان مهتما بالأدب والثقافات الجديدة عليه. أن يهتم بلغة وثقافة البيئة التي يعيش داخلها ويتنفس من هوائها، ويجول في دروبها ليتذوق نكهة ثقافتها. فاللغة لا تأخذ عن طريق العين والأذن فقط، بل تذاق أكثر بالجوارح والحواس.
هل هناك حدود تتوقف فيها الثقافة عن التوسع و الاندماج؟
في جميع التجمعات البشرية كانت لغة البدو في مستوى عال  من الخلوص لا تُدَانِيه  لغة الحضريين، لاسيما إذا كانت ألسنتهم لاتزال محتفظة بمظاهر الإعراب والتصريف القديمة. بيد أنه في كل مكان كثر فيه اختلاط البدو بغيرهم من طبقات السكان، وكذلك عند تحولهم بوجه خاص إلى الإقامة والاستقرار، وبهذا إلى الإتصال الذي لا غنى عنه بسكان الحضر فقدت لغتهم من صفاتها وخلوصها فقدانا كبيرا.
إذا أين لنا في عصرنا هذا أن نضبط الخصائص اللغوية للغة قديمة التي لم يبقى من أثرها إلا القليل الذي اختلط  بغيره من العناصر اللغوية الأخرى.
لقد أصبح في حاضرنا اليوم إن ما يدرج به قوم في سلوكهم اللغوي هو لغة. وهذا يعني الاعتراض على  تسمية “اللهجة” وإن تعارف الدارسون  وغيرهم في عصرنا تسمية لهجة. والسؤال كيف يعقل أن يسمى السلوك اللغوي الذي ينظم بلدا أو طائفة منه ( كالأمازيغ  في شمال افريقيا) لهجة. إن الألسن الدارجة هي لغات لها نظامها الصرفي ونظامها النحوي، ولها أصواتها الخاصة، وكل منها يختلف عن الآخر في هذه الأجزاء، و موازنة الألسن.
هل الفكر العربي غير قابل للتصدير؟
إن صيغة الاستفهام قد تخرج عن معانيها الأصلية لمعان أخرى تستفاد من سياق الكلام. وهنا اريد ان اطرح قضية الغربة والاغتراب. وقبل الخوض في هذا الموضوع من المستحسن التطرق إلى الموازنة بين جنسين. جنس عربي، وجنس أعرابي ما يجمع عليه أغلب المثقفين العرب.
ان الإجابة قصيرة و شافية. كان من الممكن لابن خلدون وهو يتحدث عن العرب، أن يميز بين العربي والأعرابي لو كانت هناك قضية حقيقية وراء هذا التمييز.
عمدا تطرقت لهذا الموضوع، للحديث عن معاناة الذات في المجتمع الأندلسي ومؤثرات البيئة، وما حمل العصر من القلق والغربة والضياع في بيئة ربما كانت لها كل المقومات لتلاقح الحضاري.
فمرورا بالعصر الحالي نجد الإنسان في الوطن العربي ليس بأحسن حال عن حاله  في الأندلس. إنه أمام مشكلات المعاصرة وهي نفس مشكلاته في امس الأندلس من التمايز الطبقي وأعراف المشيخة والتحالف لتصفية الحسابات التي ما هي إلا تصفية لنفسه الظالمة المظلمة.
مقارنة الجو الثقافي في كلتا الحالتين.
رغم الدعوة الإسلامية الصريحة للولاء الذي ينبغي أن يكون المفهوم الإنساني في الأندلس العربي نهشته القبلية والبداوة، فتوزع المجتمع الأندلسي إلى دويلات صعب توحيدها، لأن الشعور بالوطنية كان منعدم، ولم يحصل التجانس رغم الاختلاط العرقي المتقارب.
يصف صاعد الأندلسي الحالة الفكرية  في  الأندلس في كتابه (طبقات الأمم) حيت يقول
(لم يزل أولو النباهة من ذلك الوقت يكتمون ما يعرفونه منها ( الحكمة وعلوم الأوائل) ويظهرون ما تجوز لهم من الحساب والفرائض والطب وما أشبه ذلك إلى ان انقرضت دولة بني  أمية من الأندلس…. )
يشير هذا النص إلى الأسباب  التي أدت إلى عدم ازدهار  الفكر الفلسفي في الأندلس على مستوى المجتمع. كان هذا من خصوصية وطابع حكم بني أمية، التي لم تكن ترى في الفلسفة نفعا يقتضي  إشاعة تدريسها وذلك لأغراض سياسية. كما حصل في العصر الحديث في بعض البلاد العربية.  فاستمالوا الفقهاء وأحاطوهم بالعناية والرعاية، المساندة بالفتاوى. فأمروا بإحراق كتب الفلسفة. فيما ازدهرت العلوم الفقهية وأخرى أدبية.

يتبع…
“الحضارة الإسلامية في الأندلس في القرن 
السادس الهجري، القرن الثاني عشر الميلادي عصر ابن رشد”
 
الإغتراب والغربة
الإغتراب هو الإحساس بالغربة داخل مجتمع ما. وهو أقسى انواع المشاعر الانسانية. ويتولد الإغتراب  كنتيجة للظروف المحيطة بالفرد. ويعبر عن  انهيار في العلاقة الإجتماعية. لأسباب عديدة و متنوعة.
اما الغربة فهي عادة نزوح الشخص عن موطنه مضطرا أو عن طواعية نتيجة إحساسه بالخوف أو الضياع.
الإغتراب في الفكر الإسلامي الأندلسي
إن مفهوم الإغتراب في الفكر الإسلامي هو الزهد كطريقة للوصول إلى معرفة الله,  وايضا وجهة نظر صوفية تعمل على معالجة الناحية الروحية للإنسان المتدين المفكر الذي يرفض معايشة مجتمعه. إن هذه الغربة وجودية ووجدانية ايضا. وغالبا ما تكون عزلة عن الناس،  طلبا للتفرد والتوحد مع ما يصاحب ذلك الاعتزال من قلق واضطراب وحيرة. وتنشأ هاته الحالة عن رفض المغترب  لما يعتقد  ولما يتصور  من مظاهر دينية فاسدة وقيم أخلاقية منحرفة في مجتمعه.
فهذا الانغلاق داخل الذات يولد لديه معاناة الانقسام  بينه وبين المجتمع. فكلما عانى المفكر أزمة في عصره كان أكثر وعيا بالتناقضات التي يعايشها. وكلما أحس بألم المعاناة  ومرارة الغربة كلما انعدمت رغبته إلى المشاركة في الحياة الإجتماعية فيندفع رغما عنه للاحتماء  داخل ذاته، لحماية حريته خارج المجتمع، والدولة  (بمفهومها السياسي) وبمعزل عنها. مما يجعل السلطة تغدو في نظره قوة معادية.  تقودنا هاته الحالة الإنسانية لمحاولة فهم الصراع الفكري  الفلسفي في العالم الإسلامي وخاصة في المجتمع الأندلسي.
الصراع النقدي (ثورة ابن باجة علي الغزالي و عبد الحق بن سبعين لمجموعة من الفلاسفة)
ترجع بداية  نقد اتجاهات الإمام الغزالي الفكرية في الأندلس إلى ابن بحاجة حين قدم نقدا جدليا حول مصادر المعرفة عند الغزالي وعلى تغليبه النظرة الصوفية على النظرة الفلسفية. ومن نتيجة ذلك النقد أن طبع ابن بحاجة الفلسفة الإسلامية في المغرب وخاصة نظرية المعرفة بطابع جديد، يختلف كليا عن الطابع الغزالي في المشرق ، وذلك حين جعل (الإلهام) أهم وأوثق مصادر المعرفة. لقد هاجم ابن باجة رأي الغزالي وجزم أن الفرد يستطيع أن يصل إلى نهاية المعرفة ويندرج في العقل الفعال، إذا تخلص من رذائل المجتمع وانفرد بنفسه، واستخدم قواه العقلية في تحصيل أكبر قسط من الثقافة والعلم، وغلب الناحية الفكرية على الفكرة الحيوانية. أن هذا الرأي هو على الطرف المناقض  لرأي الغزالي الذي يرى أن العقل ضعيف وغير موثوق به، وأن جميع العلوم والثقافات البشرية عبث، لأنها لا توصل إلى أية حقيقة من الحقائق، وأن الوسيلة المثلى لتحقيق المعرفة الصحيحة هي التنسك . وهو المنطق السائد اليوم في العديد من المجتمعات العربية، بتعدد الزوايا والطرق الصوفية مع المساندة القوية. لكن ابن باجة  يؤكد على ان العقل والمعرفة العقلية هما سبيل السعادة وليس التصوف والمعرفة العر فانية.
 
  لكن عبد الحق بن سبعين الفيلسوف المتصوفة الأندلسي الذي اشتهر برسالته المسائل الصقلية، والتي كانت عبارة عن أجوبة لأسئلة أرسلها الإمبراطور فريدريك الثاني إلى الدولة الموحدية. فحمل على فلاسفة المشرق والمغرب في كتابه “رسائل ابن سبعين”  لأن الفلاسفة  حسب زعمه يقلدون ارسطو تقليدا أعمى.
قال  في الإمام الغزالي، إنه لسان دون بيان ، وصوت دون كلام، وتخليط يجمع الأضداد، وحيرة تقطع الأكباد. مرة صوفي، وأخرى فيلسوف، وثالثة أشعري، ورابعة فقيه، وخامسة محير، وإدراكه في العلوم القديمة أضعف من خيوط العنكبوت، وفي النصوص كذلك لأنه يدخل الطريق بالاضطراد، الذي دعاه لذلك من عدم الإدراك. ثم يعقب على ذلك فيقول “ينبغي أن يعدر ، ويشكر لأنه من علماء الإسلام على اعتقاد الجمهور، ولكنه عظم التصوف ومال بالجملة إليه ومات بحسب ما اعطاه كلامه ونسبه من أغراضه.
تم يهاجم الفلاسفة الإسلاميين. حيت قال  ” وابن رشد قصير البال، قليل المعرفة، بليد التصور غير مدرس، غير أنه إنسان جيد قليل الفضول، ومصنف وعالم بعجزه…. ولو سمع أرسطو يقول أن القائم قاعد في زمان واحد لقال هو أيضا بذلك واعتقدت. وأنه لا أصالة له لأنه فعلا لأرسطو “.
وعلى الفارابي  ” أنه تناقض واضطراب. فهو يقول بآراء مختلفة” بحسب الكتب المختلفة ” كما حدث فيما يتعلق باعتقاده في بقاء النفوس ولكنه بقدره ويقول : “أنه أفهم فلاسفة الإسلام و اذكرهم للعلوم  القديمة وهو الفيلسوف فيها لا غير ” ومات وهو مدرك ومحقق.
وعلى ابن سينا ” أنه مموه مسفسط كثير الطنطنة قليل الفائدة، وما له من التآلف لا يصلح لشيء”، ويزعم أنه ” أدرك الفلسفة المشرقية  ولو أدركها لتضوع ريحها عليه”.
 
الإشكالية الفلسفية في التاريخ الاندلسي
لقد مثل ابن رشد النموذج الأندلسي العقلاني والعلماني  والمتسامح والمنفتح، على عكس النموذج  المشرقي. وهذا مرجعه إلى قوله ان العقل البشري يعني تساوي الناس والثقافات والحضارات في ما بينها. بيد أن وحدة العقل لم تمنع ابن رشد عن تقسيم العقول إلى ثلاثة أنواع: عقل الجمهور وهو العقل الخطابي الشعري، وعقل المتكلمين وهو العقل الجدلي، وعقل الفلاسفة وهو العقل البرهاني. وقد نوّه دارسوا إبن رشد بهذه القسمة لأنها طريق للاعتراف برُكنين من أركان الثقافة ما يعد حداثية التعدّد والاختلاف. أضف إلى ذلك أن وحدة العقل جعلت دارسيه يصفون أعماله الفلسفية بالطابع الكوني والشمولي. لقد كان فيلسوف قرطبة في نظر كثيرين من هؤلاء الدارسين يوجّه خطابه الفلسفي والعلمي للإنسانية جمعاء، لا لثقافة دون أخرى، أو لدين دون آخر، أو لزمن دون آخر، لذلك استحقّ تراثه أن يكون عالمياً. لذلك انجذب إليه كبار اليهود والنصارى واعتبروا فكره يشجّع الثقافة العربية على تجاوز حدودها المحلية، والتطلّع إلى الأفاق العالمي.
 
إن الإنسان المسلم  حاليا يحمل تصورات عدائية للفلسفة، لأنه تشبع بتمثلات سلبية، ويرجع ذلك إلى المتداول من قبيل أن الفلسفة تدعو إلى الإلحاد ناهيك عن اتهامها بالسفسطة  المفهوم الخاطئ الذي لدى الناس عن الفلسفة وموضوعاتها حيث اعتبروها مرادفًا للكلام الغامض والأقاويل المبهمة على الرغم من كونها دعامة قوية للتفكير ومقوم هام من مقومات الثقافة. إن الدين كعقيدة كان ولا يزال في العالم الإسلامي طرفا محوريا في تحول أو عرقلة أي تجديد بنيوي فكري. فمند القدم يقابل المفكرون بالتنكيل بمختلف انواعه. وهو ما حدت لابن رشد حين قلب الصفحة ليعود إلى النصوص الأرسطوطاليسية، ويقرأها من جديد. لكن مصير كتبه كان الحرق ونال هو التنكيل. فالعقاب من سلوكيات الفكر الإسلامي . وايضا من عدم رضا الحكام والطبقة الحاكمة. كما ساد في المجتمعات الغربية السابقة.
معروف أن أسبابا عديدة قد تجمعت، وتشابكت، وتفاعلت، فأسقطت الأندلس الأموية صريعة للاوعي، والتزمت في كافة مناشط الحياة الفكرية الفلسفية والسياسية. لأسباب موضوعية.
وبغض النظر عن هذه الصورة السلبية، فقد انبثقت بموازاة  ذلك نظرة أخرى إيجابية مبنية على الاعتراف بأنه إطلاقا من عناصر الثقافة الإسلامية  الأندلسية الإقرار بالدور الذي لعبته النصوص الفلسفية المترجمة إلى اللاتينية والقشتالية.
 
أن مادة الفلسفة لا يمكن أن تقبل التصنيف. ان هناك ضرورة ملحة للفلسفة  كنمط من التفكير. إن هناك العديد من الفلاسفة الذين لم يكونوا فلاسفة فقط بل كانوا متخصصين في الرياضيات، والكمياء وفي إنتاج الرواية والقصة…. ولكن اهتموا بالفلسفة كأسلوب حياة. إنه لعشق الأبدي  لمحبة الحكمة، فالفلسفة  لا تعني المعرفة فقط بل هي منهجية وطريقة للتفكير أيضا.
يقول الفيلسوف الشهير “ديكارت” الذي أكد أن أي مجتمع من المجتمعات، وأن أية حضارة من حضارات الأمم، ما لم ترتبط يتفلسف صحيح وما لم تعطي للفلسفة المكانة التي  كانت احتلتها في الماضي، فهي حضارة عمياء،

قصائد أقطفها من دوالي الألم والأمل

بين الألم والأمل يخلق الْجُلاَل، وليخلق هذا الْجُلاَل هي دائما معارك الإبداع في مخيلة الشاعر. من المعروف في أتون الألم وصور الأمل إن الشاعر لا يقنع بما يعانيه ويراه، بل يحاول التدقيق في ماهية نوع الألم والأمل الذي يعيشه ليُصَوِّر خياله ومشاعره، بشكل يوقظ في نفس القارئ الشعور بلدة الألم، والارتياح بتذوق بلاغة التعبير عن معان جمالية يمكن إدراكها وفهمها في صور الأمل.
إن الفرق بين جمالية الشعر في صوره المعاشة، وصوره الملتقطة، كالفرق بين القلب والعقل أو بين العاطفة والمنطق أو بين الحب والحكمة. هي قراءة تفكير. هكذا أرى هذا الفارق حين أُدَلِّي المعاني على أطراف الكلمات. فمن هَذْي الفروق أُدْرِك ماهية مقومات الشعر الفنية والجمالية وأهدافها.
وحين أسبح في بحر الكلم أعيش مع الألفة الشاعرية المجتمعة في خمائل تفكيري فتخرج نصوص قراءة لا نصوص إلقاء. هي لغة الدواوين كما اخترتها.
لقد اختلفت الآراء والتفسيرات حول مرامي اللون الشعري الذي تتداول قصائدي بين القراء والنقاد. لكن كل هذه القراءات غالبا ما تخضع لتصور مشترك وهو شاعرية الغموض المتعمد، باسطا مساحة واسعة من الألوان، بل هي محاولة لتعويد المتلقي وترويضه على نبد الجاهز من معاني الذات والحياة. فأخذت عدة تأويلات بين الغموض عند الروائي مصطفى لغتيري حيث قال ” تحتاج كل قصيدة من الديوان وقفة تأمل عميقة لاستجلاء معانيها الخفية”. والوهم والعزلة عند الناقد والشاعر أحمد الرجواني والأمل على الجانب الآخر من اليأس أو نزيف الحلم عند الناقد و الشاعر أمين دراوشة، والجوانية عند الشاعر والكاتب رضا المريني وفلسفة الفقد عند الناقد والشاعر أحمد الشيخاوي.
أما عندي فهي صمت رموز لقصائد تقول تعبيرات دون كلام إنها عبارة عن زهور متنوعة تطرح تساؤلات: لماذا هجرتني، أنت تسلبني شعوري، لقد خاب فيك ظني، أنت أناي، أو كما زهرة عباد الشمس حين تصاب بالاكتئاب عند غروب الشمس. فأي أختار… هي مجموعة تناقضات تلتف حول دائرة الجوانية التي تأبى الركون إلى أيديولوجيا أو الوقوف عند واقع وتتجه إلى المعنى و القصد من وراء اللفظ والوضع وتنحوا إلى الفهم والتعاطي لا إلى الحفظ والتقرير، وتلتفت إلى الإنسان في جوهره وروحه لا في مظهره وأعراضه.
أريدها لغة شاعرية تمزج بين الحلم واليقظة، لأنه لا وجود لليقين. لتشعرني أني داخل القصيدة. لا أريدها وسيطا وحاضنة بل توأمي. لا أريدها قصائد تفقد شاعريتها بدعوى الموضوع والتوصل إلى الفهم السريع الخاطئ، بل كما قال الناقد والشاعر أحمد الشيخاوي “مستفزة بمقامرة نبش المتون، وغض الطرف عن غوايات الهامش، بغية القفز إلى بؤر المعنى حيث الظل الآخر للذات”. ” وجعل فضاءاتها مزهوة بالملمح النخبوي محرضة على الارتقاء ذوقا ورؤى”.
لا أريدها أن تكون أشباه قصاصات صحفية. فأنا لست صحفيا انقل الصورة. إنها كتابات تنمو داخلي من تجارب عشتها وعايشتني، قارعتها وقارعتني. إنها مجموعة معارك عنيفة مع التجارب، محاولا إشباع النص الشعري ما أمكن من الألم واللذة من داخل الطبقة العلوية المشغولة بالمعنى. لأجعله ابتسامة غامضة مثل ابتسامة الموناليزا، ودمعة متحجرة مثل دمعة أمي.

Powered by WordPress & Theme by Anders Norén