ج1 : أهلا وسهلا بك الأستاذ جمال بوزيان.
اسمح لي أن أعبر لكم عن سعادتي بهذه المقابلة مع الأشقاء في المغرب الأوسط الجزائر أولا والعالم العربي ثانيا، كما ارجو أن يكون هذا الحوار إضافة إلى جهودكم لكل من يطلع على الميدان الثقافي في البلاد المغاربية من خلال منبر الديوان.
ج2 : سؤال تستعصي علي الإجابة عليه، لماذا؟
إن من تشبع بالمنهج العلمي، دائما يبحث عن الجواب المنطقي ويسعى التراتبية في الإجابة.  لكن سأحاول قدر المستطاع من خلال معرفتي المتواضعة، وأن تكون الإجابة مركزة. 
عدة تساؤلات تطرق باب الفكر الراشد في أي حوار عن النقد الأدبي العربي. فتطرح بعض الأسئلة الموضوعية.
• هل يدرس علم المنطق والفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في البلاد العربية؟
• هل لدينا بحث علمي؟
• هل ننظر للنقد كمادة علمية نحن بحاجة إليها؟
أي دارس لعلم التدبير والتنظيم والاستنباط في المنظم الآلي  " الكمبيوتر" سوف لن يجد الإجابة في عالمنا المغاربي والعربي. و "النادر لا حكم له".
لازلنا نعيش بالفكر الفطري الساذج الذي ورث عن العهود القديمة. والتي لا زال الكثير يتشبث به كمنهج علمي. إما لضعف ثقافته أو الأيديولوجيا قومية مذهبية أو دينية.
يقولون ان النقد أمر فطري في الإنسان. لأنه يميز بفطرته بين الأشياء قبيحها وجميلها. غثها وسمينها.
وحينما يطرح السؤال حول البداية الأولى للنقد العربي أو كما ورد في سؤالكم ما أصول النقد الأدبي العربي؟ 
هناك فريق يرى أن العصر الجاهلي هي المرحلة الأولى التي أدت إلى تطور النقد. 
ويقرون أن العرب عرافو النقد انطلاقا من التلازم بين الشعر والنقد اعتمادا مادام هناك شعرا فلا بد أن يكون هناك نقدا. ومنهم من ذهب الى ابعد من ذلك حيث اعتبر أن النقد أسبق إلى الوجود من كل الفنون. معتبرين الأديب ناقدا قبل أن تأخذ أفكاره صيغتها الشعرية أو النثرية. ومن أشهر من رفع  مشعل هذه الفئة الأستاذ طه أحمد إبراهيم ومحمد زغلول سلام. إذا الفكر العربي يجمع على أن النقد الأدبي ظهر في الشعر، فهو عربي المولد والتطور.  ويخلصون ان النقد الادبي عند العرب نشأ عربيا صفرا.
وهذا مجانب للصواب..
لكن هناك من تمسكو بالمنهج التاريخي فأعادوا قراءة التاريخ العربي عامة والنقد الأدبي منه خاصة، رافضين الوقوف عند حدود ما أثير من نقد في الأسواق والمنتديات الأدبية وما شاكل ذلك. لرصد تطور النقد الأدبي العربي القديم انطلاقا من تحديد مفاهيم الأدب والنقد، وتاريخ الأدب، ودور الذوق في العمل النقدي اعتمادا على ما جاء به الناقد الفرنسي G. Lanson.
- الأدب : كل المؤلفات التي تكتب للمثقفين لتثير لديهم بفضل خصائص صياغتها صورا خيالية ، أو انفعالات شعورية، أو إحساسات فنية.
- النقد المنهجي: هو الذي يظهر تلك الخصائص ويحللها. أو هو في أدق معانيه "فن دراسة النصوص، والتميز بين الأساليب المختلفة.
والحديث يطول في هذا المجال. 
ج3: للأسف هذا هو واقع الحال في العالمين العربي و المغاربي. أعتقد أن المرجعية قد أسميها بالنقد الموقعي الذي قاد كتابات انقلابية على مفهوم النقد المنهجي. حيث اصبح مغامرة إبتداعية غير مبالية بالمعايير. فهي  تناطح أقنعة مختلفة مصادرة احيانا، و ساقطة في أحضان المادة والشهرة أخرى. أو مثخنة الايديولوجيات  فاقدة أخلاقية الثقافة لأنها لا تملك أدوات الحصانة النقدية كما هو متفق عليها في الأدب العالمي.
ج4: كما قلت في السؤال السابق . هي المقامرة وافتقد الشيء لا يعطيه.  إن سوق الثقافة وخاصة النقد أصبح يعيش تحت ايقاع رداءة أخلاقية وفكرية غير مسبوقة. تعددت وتمددت وبالتالي أصبحت عاجزة عن السير في الطريق الصحيح.
إن الكثير مما ينشر في الصحف والمجلات وبعض المواقع أو ما يشاهد ويداع عبر بعض البرامج التلفزية. ما هو إلا ازدواجية الأنا لاحتواء سوق نقدية متهالكة روادها ذو أيديولوجية شهوة الشهرة والمال. تدوس كل يوم على الجدية والعقلانية في التحليل  (وان كانت تملك من أدوات النقد ما يسمح لها بالعمل الجاد) كما هو متعارف عليه عند المفكرين الدين بنوا صرح النقد الأدبي.
إن أقلام الدبابير النقدية قد تبث فشلها على امتداد سنوات مضت. والأمثلة مصلوبة على صفحات عدة مجلات ورقية ومواقع إلكترونية..  مدح وتبجيل. هذا نوع آخر من الدعارة الفكرية.
فهل الناقد العربي قادر عن التخلي عن النقد الدعائي والنفعي؟ الآفاق في. واضحة.
ج5:  كيف أن تكون حركة نقدية تواكب الإنتاج الأدبي ما دام لم يوجد لدينا بحث علمي. وان تواجدت فهي تهتم بالأسماء البراقة التي اكتسحت كتبها السوق الأديبة بدعم من المال العام وقنوات المعرفة النفعية على حساب  كتابات جيدة من كلا الجبلين السابق والشاب لكن مع الأسف لم تجد مرايا تخبر عن بواطنها.
ج6: انا لست ناقدا. وفي ظل هذه الضبابية النقدية. قادتني الصدفة إلى التمرد بكتابة انقلابية على كل شيء أرى فيه شيء من هذه الفوضى.
أحاول قراءة النصوص والكتابات الإبداعية التي تحارب كل ما ليس منطقي. محاولا النأي إلى أبعد حد عن الادعاء بالناقد. أسبح مع وجعي الواعي بالهواجس وكل الاضطرابات المفاهيمية محاولا عقلنة معالجة النصوص الأدبية التي اقرأها لاستخلاص حقيقة الوجود والأسرار الكونية التي تغيب عن أذهاننا.  ولم تكن قراءتي يوما نقدا منهجيا علميا.
وأذكر هنا بعض القراءات التي في بعض المواقع الصحفية و الإلكترونية :
• الخبز الحافي والمنع من النشر.  ما هي القيمة الحقيقية لرواية الخبز الحافي للكاتب محمد شكري. التي منعت من النشر إلى سنة 2000
•  تعرية الواقع في كتابات الأديب محمد وزفاف
• الأوجه الخطابية في رواية سيرة حمار المفكر حسن أوريد.
• لماذا التأمل في رواية أحلام النوارس الكاتب مصطفى لغتيري 
و للكاتب الفلسطيني سمير الشريف
• قراءة في رواية همس الشبابيك في وسط المنجز السردي الحديث. 
ج7: أصبح من البديهيات أن أسبابا عديدة قد تجمعت وتشابكت وتفاعلت فأسقطتنا في فخ التخلف والانحطاط والتأخر في كل مناحي الحياة. ما صحت أمة أو دولة من نومها إلا إذا تصالحت مع نفسها ومع مكوناتها.
إذا كانت اللغة كما قال ابن سيده " صوت يعبر به عن المعنى المتصور في النفس" وعند ابن جني " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "
فإن اللسان الأمازيغي لا يخرج عن هذا التعريف. كفى من الإقصاء الذي عانته وتعانيه. سواء كانت بارادة سياسية أم لا. فاللغة الأمازيغية سوف تعطي ما لديها من موسوعة أهلها الفكرية كباقي اللغات في الدول التي تحترم وثقافتها وتنوع مكوناتها. 
ج8: ان لم يكن هناك بحث في علم اللغات، لم تكن هناك ترجمة على مستوى يسمح لترجمة النصوص الأدبية والعلمية بطريقة جيدة. ان الحضارة الإسلامية لم تقم إلا على ترجمة العلوم اليونانية كما قامت الحضارة الغربية على ترجمة العلوم الإسلامية . إن الترجمة هي الرافعة التي تغذي الحياة المعرفية بغض النظر عن كونها مشوهة ام لا. إن تشويه النص غالبا ما يكون في عدم إلمام المترجم باللغة التي يترجم بها أو التي يترجم منها. ولا أعتقد أنها ظاهرة عامة.
ج9: إذا لم يكن للدولة توجه ديمقراطي عادل. فكيف يمكن وجود معايير للجوائز الأدبية. فما دام هناك دعم معنوي وريعي  للجمعيات الثقافية لن تكون هناك عدالة في تقييم الأعمال الأدبية  بطريقة منصفة وعادلة ولو نسبيا.
ولنا في اتحادات كتاب العرب وما يعانيه ...خير دليل على التخبط الذي تعيشه الثقافة.
ج10: لقد أصبحت لجائزة نوبل خاصة في الآداب والعلوم الإنسانية توجهات سياسية أكثر منها إبداعية. فلم تعد لها تلك القيمة المعنوية التي اكتسبتها في العقود الماضية. رغم ان المعايير تبقى نسبية حسب طبيعة لجنة التحكيم.
نعم هناك كتاب يستحقونها قبل غيرهم لكن...
وما يتير الانتباه هي تلك الأقلام لا تعير أي اهتمام لهذه الجائزة، لما تملكه من قوة إبداعية ولما لها من شريحة قراء هامة. فاهتمامها الأول هو الثقافة بمفهومها الكوني.
ج11: عدم مدينة الدولة عائق كبير في تطوير المجتمع. هناك جيوب مقاومة ضد  كل ما هو جديد، و لكل ما ينتقد الواقع المعاش. هذا الفكر يمنع الكتب المجددة التي تعري المسكوت عنه للولوج إلى المعارض وسوق الكتاب بصفة عامة. أعتقد أنه أكثر  فكر اقصائي لم يعرفه العالم العربي حتى في العصر العباسي. أما الحضارة الإنسانية فهي في بناء مستمر غير آبهة بما يجري على المستوى العربي. فالعطب مشكلتنا... نريد التذييل.
ج12: أعتقد أن الثقافة ليست اختصاص وزير لأنه  مجرد مسير لهذا القطاع في الدول التي تحترم شعوبها.
لأن الثقافة  مشروع مجتمعي وورش من الأوراش الكبرى التي يجب التوافق عليها بين جميع المكونات المجتمعية، لا يجب ان تخضع للمساومة والمقامرة السياسية. فهي ليست مسألة ظرفية تتغير بتغير الحكومات والأنظمة كما هو معمول به هي عالمنا المغاربي والعربي.
ج13: كما قلت سابقا انا لست ناقدا.
أما كتاباتي لم تخرج عن نصوص أدبية من شعر ومقالات وبعض القراءات كلها أعمال متواضعة تاركا الحكم عليها للقراء. فهي مجرد مساهمة صغيرة تساعد في تراكم رأى الإنسان   في بلاد المغرب الكبير الذي أعتز بانتمائي اليه. وتكون احسن ذكرى لأحفادي.  واختار لكم قصيدتين قريبتين إلى روحي. 
سادرة حمقها
انا الذي ترثيه وعود 
من القاتل
لا أملك سوى التراب والحجر لعبا
صبى يقوده الدمس  
إلى المجهول
حُدْجٌ
يلعب بظل الرمل 
حلما تسوى وشما
لا يرى زمن المسرى
سَهَّى
سدرة الْخَلَى
موتا بجواره
ريحا تختال 
بين ستائر النخل
سَمَائم
الْقَفْرُ بعيد
ومنفى الزمان ألْحَى
التيه 
فيافي الألم 
بين الجبال
والفقر زحف 
ثعبان
لفيفا بين السعف
يسعى
الْحُدْج
ولدت في حضن السراب 
من طين ونار
ضنكا
ترتشف الأنفاس 
من جُرُب موتى
طفولة درعة المنفى
نزيفا بين رماح 
جبال  (أنكام)
تدلى
ى
يتأبط هم المعنى
خلف الما ورى 
انا الأعمى
الذي أرى
ما لا يرى
إن الرموش تهوى
على 
رفوف الأهداب الثكلى
لا الدمع عرى
وما تساقط 
أوراقا عذارى
أحمل الكلم كالسرة
يتكاثر / يتناثر 
ثقل
منه اتهاوى
أحيا / لا أحيا
شجرة
ضَنِيَت من الضَّنَى
هذا انا الذي
من 
صبيب دفع الزمان تعرى
يتأبط هم المعنى
وحيدا السير
على ثقوب الفهم
أخطو بعكازة الأعمى
لست شاعرا انا
يا هاوي نقد الابراج العلى
انا روح 
تعيش في مجاري القصيد
احلاما
معلقة على أراجيح
أبراج المعنى 
ج14: باختصار شديد الوجودية وكما قال الشاعر المغربي رضا مريني Rida Mrini 
( شِعرية مفعمة بالجوانية و دون ادّعاء وهذا هو الأهم)
إنها معاناة الروح  الإنسانية في كل ركن من هذا العالم المضطرب. ولا يمكن أن أعبر عن ما كتبت في قصائدي اكثر مما كتبة الاديب والناقد أمين دراوشة .
يقول أمين دراوشة:
تحوم الوجودية في أجواء قصائد الشاعر العربي الحميدي، فالشاعر من خلال شعره صور يأسه وقلقه الساكن في أعماقه، يقول رائد الوجودية كير كجور: إنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يخلو من اليأس، فلا يوجد إنسان ليس بحالة يأس بطريقة أو بأخرى، “ولا يوجد موجود بشري تخلو نفسه تماما من كل أثر للتمزق أو الازعاج أو الضجر أو اليأس أو الجزع أو أي صورة من صور التمزق الباطني”. (1) ، وكما إن الإنسان يمضي قدما في حياته الاعتيادية وهو يحمل جرثمة المرض البدني في داخله، فهكذا اليأس مرض الروح،  وقد تبدو هذه النظرة عند الكثير من الناس، نظرة مبالغ فيها وقاتمة وكئيبة ومتشائمة، ولكنها ليس كذلك، فهي “تحاول أن تلقي الضوء على موضوع يترك عادة في غموض وظلام. وهي ليس كئيبة…هي نظرة علو وتسام ما دام تنظر إلى كل إنسان من زاوية أعلى مطلب فيه وهو المطلب الروحي”. (2) أما القلق فخاصيته الأساسية أنه أنطولوجي، “لا يمكن أن تشتق من شيء آخر بل هو يعبر عن نسيج الوجود الإنساني نفسه”. (3) وهو بذلك كما اليأس لا يمكن أن يهرب منه إنسان، وهو دائم الحضور، حتى أن كيركجور يقول: “إن غياب القلق هو علامة على القلق. وإذا ما ظن إنسان ما أنه قد تحرر من القلق فليكن على ثقة تامة أنه يخفي القلق في أعماقه، يخفيه عن نفسه من خلال قلقه على القلق! فليس ثمة حالة يغيب فيها القلق”. (4) ويرتبط القلق بالمستقبل وامكانيات الذات وحرية الذات، لذا دائما ما كان كيركجور يركز على أحد هذه الموضوعات في تعريفه للقلق، يقول: “ما القلق..؟ إنه اليوم المقبل”. (5) أما العلاقة التي تربط القلق بالامكان، يقول: “إن القلق هو الامكان المتوجس للوجود الممكن”. (6)
وركز كيركجور على ارتباط القلق الوثيق بحرية الذات، يقول: “القلق هو إمكان الحرية. –ويقول أيضا- إمكان الحرية يعبر عن نفسه في حالة القلق”. (7)
وهذا يعني إن المستقبل والامكان والحرية مفاهيم ترتبط مع بعضها البعض ارتباطا لا فكاك منه.
وأجمل تعبير عن القلق، ويوضح حالة الإنسان وعلاقته مع وطنه، قول كيركجور عنه إنه “نفور مع تعاطف، وتعاطف مع نفور”. (8) وهذا يشبه ما قاله الشاعر في قصيدة “يا شامة المشرق”:
“أعشق الوطن
وطني
ومن الأذى
كرهت موطني.
…….”. (9)
واليأس والقلق يؤديان إلى الاغتراب، الذي ينتج عنه الرفض والتمرد على التخلف الحضاري العربي، وضياع الهوية القومية والوطنية وتلاشيها في ظل صراع العالم العربي فيه ضعيف وهش ولا حول له ولا قوة.
يقول الشاعر في قصيدة “قنن الدمس” عن حالة الخواء التي تجلل الوطن الكبير:
” محنطات الفكر
كثرت في الماضي
واليوم
تكلست بغبار الغباء
فكر راكد
علب منتفخة
من الجمود اعتراها الصدأ
قلب مستنقع
ريح عكرت الأجواء”. (10)
فأيامه الحلوة ذهبت ولن تعود، ولم يعد شيء يجدي في هذا الوطن الخراب، يقول في نفس القصيدة:
“مرضى أنفس
قنن ليس لها دواء
لا زمزم استطاع تنظيفها
ولا ترتيل آيات ترويضها
حتى
نوائب الأيام لم تفلح”.  (11)
لا شيء في الوطن غير المرارة والخيبة، يقول في قصيدة “في صمت”:
“أسراب نوارس…خيوط الحزن
ترقص على ردفة المحيط
حزن يرافق حزن”. (12)
لا شيء مفرح يبقى، والحزن فائض، ويثقل على النفس ويخنقها، ويذهب بالشاعر إلى التشاؤم من الغد يقول في قصيدة “لا ربيع”:
” ………
سباحة في نهر الألم
شعور راكد
في كل شيء
هي أعماق المحيط
والعمق عميق
يختزن الحزن
طريق لن ينتهي ابدا
مدام في بلدي
ضباب
دموع جافة
من
رؤية العدم”. (13)
إن اليأس والقلق والحزن عوامل سلبية، قد تصبح إيجابية إذا الإنسان وعى آليات التخلص منها، لأن ذلك يمنحه دافعا قويا للبحث عن حياة جديدة تولد من رحم المعاناة.
يقول في نفس القصيدة أن الموت هو الشيء الحقيقي في وطنه،
“يأس آت
من سماء مظلمة
يطول الحزن
من خلال النظر إلى النجوم
تحاول أن
تتجدد الروح
في الضفة الأخرى
لترفع الظلمة
عند تصفح أوراق
الموج
هناك الموت
جالب الخراب” . (14)
يحس الشاعر بالجرح والضياع، والرؤية غير واضحة المعالم حتى أنه يتسأل “من أنا”، يشعر بالوحدة والخسارة والخيبة والخوف والآسى، يقول في قصيدة ” الرحلة الهيماء” :
“داخل عبوة فراغ
وِجْهَة
بلا عيون ولا شفاه
مَدْفن
تَنْوِيمة أجيال
انهكها الوهم
من زَيْفِ نور”. (15)
يلتهم الوجع واقعه، ويمشي صوب حلمه ينقره في مخالبه القاسية، يقول في قصيدة “ظلال الشفق”:
“هي
مشاعر انهيار
تيه معلق
على
جسر مشقق”. (16)
يعيش في جحيم الضجر والسواد والخواء، ويضيف في نفس القصيدة:
“يبهت ظلي
تحت حلمي
لم أعد أراه
المكان فارغ
نهاية عشق
فراغ يحمل الفراغ
فراغا
في ليلة غبشاء
وفاة قمر”. (17)
والوفاة هنا تعبر عن الظلام، وانعدام الرؤية والتخبط، وحتى لو حاول أن يخرج من دوامة السوداوية، فأن الهم يقعده، يقول في قصيدة “الحرف الجائع”:
“إن رفعت الرأس
يركعه الهم بالسوط
من جديد”. (18)
فهو يعيش وسط أمة:
“صحراء
بلا واحة
محيط
بدون ماء
أمة جافة”. (19)
 فما هو الحل للقلق واليأس والمخاوف أهو الرحيل عن الوطن، ولكن السفر ليس سهلا، كما أنه لن يحل الشعور بالقلق واليأس يقول في قصيدة ” أشجار ضاقت غلل”:
“أبكيك يا راهنا
من جدب الجبال القِحال
أرى
على ضفاف الأمل
أجثثا
غرقى قوارب الهجرة
تذوب بين أسنّة الرّمال”. (20)
هل عليه أن يرضى بالأمر الواقع، ويستسلم له، ويقبل مصيره طائعا؟ يقول في قصيدة “في حضرة الانتظار”:
“أعلى النموذج
كيف ألاقيك
والزمن وصول
بعد علة الروح
وجسم اعتلاه الذبول
سيدي
لم أعد مهرا
تخشاه الخيول
أدنو منك بعد
عيشة
تطوي ظهر الوعول
أهي النهاية أيها الموت
يا حاكم الفصول”. (21)
وعندما يعجز عن الاستسلام، يلجأ إلى شجرة الزيتون رمز الخير والمحبة والأمل بغد قادم، يقول في قصيدة “كشجرة الزيتون”:
“……
السبب
في أمل العيش
شجرة زيتون
وماء
بين الجذور
يمكن إحياء شعوري
نوع من وعد الحياة
ثورة الأشجار”. (22)
لا شيء يعيد الوعي المفقود إلى الوطن، ومسألة العدالة التي شغلت تفكيره لا تتحقق. ويشعر الشاعر بعدمية ذاتية وموضوعية نتيجة تحطم الأحلام، وعجز الوطن على الوقوف على رجليه والتقدم إلى الأمام…
يحاول الشاعر بكل السبل الوصول إلى بر الأمان، ولكن دون جدوى، حتى الثورة انحرفت عن مسارها ولم تؤد إلى شيء، يدفعه الألم والخسارة، وسنوات الضياع في السجون والتيه في الوطن والغربة إلى شهوة لا خلاص منها، تقذفه إلى المستقبل، وهو يحمل وجعه وإيمانه، يقول في قصيدة “انتظار الولادة”:
 “لتقذف بي
برغبة
معصوب العينين
إلى
ضوء خافت
رحلة ولادة
ولادة روح جديدة
بدموع وصلاة!”. (23)
تقول فدوى طوقان: “الشك والارتياب في حكمة ما يحدث لنا، حقائق الحياة وحوادثها التي تدحض القول بوجود العدالة، ثم هذا الحنين الأبدي في النفس إلى الاستسلام المطلق، كل هذا يبعث فينا إحساسا دراميا داخليا، ويثير فينا صراعا لا ينتهي بين الشك القلق الحائر وبين النزوع إلى اليقين والتشبث بالإيمان الضائع”. (24)  ويصل الشاعر في النهاية إلى تساؤلاته عن بذرة الثورة والأمل القادم، يقول في قصيدة “دموع الصيف”:
“سألت
هل هناك أحلام اخرى في قلبي؟
تذكرت
قلبي قال
حتى الصحراء لديها الزوار
وبعض الزهور هناك”. (25)
بالإيمان والثورة، يمكن فعل الصواب، وتحقيق المراد، هذا ما يصل إليه الشاعر، وينطلق الشاعر إلى الفعل، ويشرع يدق على باب الخزان المقفل.
فالشاعر على وعي كامل بذلك الترابط الذي يجمع العدمية مع الهزيمة، وكان يملك الوعي الكافي ليشعر بقسوة التعاسة، وحياة الشقاء الذي يهبه عدم الإيمان بالغد، واللايقين.
لذلك وحتى يضع حدا نهائيا للتمزق والضياع والألم، فأنه يتخذ “من (الإيمان بالضرورة) حلا عمليا”. (26) متماثل مع كيركيجور.
إذا كان القلق هو علاج القلق، واليأس علاج اليأس كما يقول كيركجور، فأن الإنسان الميت في نفسه وعقله، “يصبح القلق الروح المنقذة التي تقود الإنسان إلى حيث يريد..”. (27) قلق يطهر النفس والأجواء، قلق لا متناهي لا يزول إلا بإيمان لا متناهي، إيمان سيعطينا الرجاء كل ضد رجاء.
وكأني بالشاعر يقول لنا في ديوانه الشعري كما قال كيركيجور: “اندلعت النيران في شيء لا يمكن أن يحترق،…اندلعت داخل نفسي…!”. (28)
إن الشاعر في تنقيبه في ذاته خرج من جزئيته واستحال إلى نفس كلية، وتبنى فلسفته القائمة على الدعوة للاستيقاظ من عالم النيام، “أن عملية التنقيب في النفس في حد ذاتها إثراء للنفس لأن التنقيب أولى الخطوات لاكتشاف أغوارها وحدودها”. (29) كما يقول الفيلسوف هيرقليطس.
ورغم كثرة الألفاظ التي تدلل على القلق واليأس والحزن والألم…إلا أن القصائد أيضا تجد لها مكانا لكلمات كالنور والربيع…مما يوحي إن الشاعر ينتصر للحياة والمعرفة، ويسعى صوب الغد وهو يملك الأمل البراق في مستقبل لم تتضح معالمه بعد.
الهوامش
1- إمام عبد الفتاح إمام، كيركجور، دار الثقافة، القاهرة، ط1، 1986م، ص 305.
2- المرجع السابق، ص 305 .
3- المرجع السابق، ص 341.
4- المرجع السابق، ص 341.
5- المرجع السابق، ص 343.
6- المرجع السابق، ص 343.
7- المرجع السابق، ص 343.
8- المرجع السابق، ص 344.
9- العربي الحميدي، دموع الكرز، مطبعة وراقة بلال، الدار البيضاء، ط1، 2018م، ص 103.
10- المصدر السابق، ص 152.
11- المصدر السابق، ص 152-153.
12- العربي الحميدي، في صمت، مطبعة وراقة بلال، الدار البيضاء، 2019م، ص 90.
13- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 83-84.
14- المصدر السابق، ص 84-85.
15- في صمت، مصدر سابق. ص 100.
16- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 14-15.
17- المصدر السابق، ص 15.
في صمت، مصدر سابق، ص 52.
18- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 35.
19- المصدر السابق، ص 55.
20- في صمت، مصدر سابق، ص 52.
21- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 140.
22- المصدر السابق، ص 72.
23- المصدر السابق، صر 21.
24- فدوى طوقان. رحلة جبلية..رحلة صعبة، دار الثقافة الجديدة، سلسلة الأدب الفلسطيني، القاهرة، طبعة خاصة، 1989م. 212.
25- دموع الكرز، مصدر سابق، ص 36.
26- غسان عبد الخالق، تأويل الكلام، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2007م، ص 52.
27- إمام عبد الفتاح إمام، مرجع سابق، ص 366.
28- المرجع السابق، ص 291.
29- هيرقليطس، جدل الحب والحرّب، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1980م، ص 120.
 ج15: لماذا رواية مشتركة ولماذا مع الروائية والشاعرة الأسترالية كلير رولف؟
منذ خمسة وعشرون سنة ومحاولة كتابة هذه الرواية باللغة العربية تراوح مكانها لأسباب موضوعية. أهم هذه الأسباب هي دور النشر والتوزيع في العالم العربي التي تعاني من عدة نقائص، وأعني هنا المبدأ الأخلاقي في النشر والتوزيع الأعمال الأديبة خاصة.
كما قلت في إحدى المقالات يجب عليك ان تكون مواليا إذا أردت نصيبك من الدنيا. وهنا لا أعني الربح المادي بقدر ما أعني الولوج إلى سوق الكتاب المحتكر.
إذا كانت فكرة الكتابة باللسان الانجليزي واقعية ومريحة نفسانيا بالنسبة لي. بالصدفة هي التي جعلت هذا العمل يرى النور مع الروائية والشاعرة الأسترالية كلير رولف  لكي يتعرف القراء في الغرب على خصوصية الأدب المغاربي بما يحمله من آمال وآلام وأحلام وانتكاسات. وايضا لما يوفره سوق المعرفة في الغرب من أبواب دون تمييز أو احتكار.  لقد وجدت في الكاتبة والشاعرة الأسترالية كلير رولف ما لم أجده من بني جلدتي من كتاب وشعراء. وهذا كان جد محفز. 
الكتاب يحتوي ما بين 40000  و 50000 كلمة . ما يعادل 200 الي 300 صفحة.
وخير دليل هو ما كتبته الروائية والشاعرة الأسترالية كلير رولف في هذا النص باللغة الانجليزية. إحتراما للنص.
أترك للقارئ الحكم عليه. 
ج16: أعتقد لا توجد أزمة في الشعر المعاصر. بل هي أزمة فكر وعقلية مجموعة من الشعراء ترفض التجديد والتشذيب والإبداع. محاولة منها للاستحواذ على السوق الإبداعية بمفهومها وبتوجهاتها وفرض منظومتها المتهالكة. فالإبداع ليس مرتبط بالزمان ولا المكان ولا اللغة  إنه نظام سيرورة. 
ج17: إذا كان لا يمكن تغيير الجذور بل تدميرها، في حالة الأدب والفن في الاتحاد  الروسي لا يمكن ذلك، لأن هذه الجذور تقوت من روافد ما كان يعرف بدول الاتحاد السوفياتي. 
ان الأدب والفن الروسي الذي يعتبر الرائد في الكثير من أنواع الإنتاج الأدبي سيظل يدرس، لأن جل المثقفين يعتبرونه كواكب في سماء الأدب العالمي. 
إن مجيء العولمة عكس ما كان يعتقد أعطته متنفسا كان يفتقده في الحقبة السوفياتية.  هذا المتنفس ساهم  في قوته وإبداعاته. الأدب الروسي لا يقاوم بل يرتشف رحيق الإبداعات التي يتلاقح معها. كما فعل في الحقبة السوفياتية. وهو اليوم في نفس الاتجاه وبقوة بالرغم من المرحلة الانتقالية الجديدة في تاريخه والتي تشبه تلك التي عاشها في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.  لقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة انتقال الأدب الروسي من مرحلة سيطرت فيها الرقابة على الانتاجات الإبداعية في الحقبة السوفيتية إلي مرحلة جديدة استفاد فيها الأدب  من أجواء الانفتاح وحرية التعبير. أعتقد أنه يعيش عصره الذهبي الثاني اليوم.
ان ترجمة الكثير من الأجناس الأدبية الأجنبية إلي الروسية ساعد الكثير من الكتاب الشباب لأخد  نظرة واقعية وموضوعية عن الصورة الخادعة للحياة في الضفة الأخرى التي كان يسوق لها . كما كان لعودة الكثير من الأدباء الروس الذين هاجروا إلي الخارج أو منعت كتبهم من النشر في السابق. كبير الأثر في الانتاجات الأدبية والفنية على حد سواء.
ونذكر من الكتاب المحدثين علي سبيل المثال الكسندر سولجنتسين صاحب “أرخبيل الجولاج”.
لقد استفاد الأدب الروسي من غياب الرقابة وانطلق بحرية يتناول كل القضايا  في مختلف الأجناس الأدبية.
لقد اصبح يتسم الأدب الروسي المعاصر بسيطرته على موضوعات الحوار بين الحضارات والثقافات حيث يلتحم الكتاب الروس في فضاء واحد مع الكتاب المعاصرين في العالم.  حيث يجمع النقاد على أن هناك أربعة أجيال من الكتاب ينشطون حاليا على الساحة الأدبية الروسية.
ج18: الجواب على سؤالكم يقودنا إلى طرح السؤال الآتي هل فعلا الشعوب العربية تشكو من تغول الدولة بشتى اشكاله؟
أم تشكو من تغول  الكتابات والأفكار المتطرفة الدينية والعلمانية من اليمين أو اليسار على حد سواء.
إن دارس تاريخ الشعوب وخاصة الشعوب العربية يدرك عمق التناقضات داخلها. ويعرف مدى ضعف هذه الشعوب التربوية والمعرفية والإنبطاحات المتنوعة التي يتأرجح فيها. والتجول بين منظومة الولاءات  الدينية المذهبية، ناهيك عن التعصب القبلي والعرقي، والتجاذبات المنفعية والأيديولوجية .ولكي أكون واضحا. تعيش بين  قطبين متطرفين (الاستثناء يذوب أمام الأغلبية ). تطرف ديني وآخر لا ثقافي لا  أخلاقي.
قد يقول قائل إنها كباقي الشعوب الأخرى. نعم قد اتفق معه في بعض النقاط. لكني سأختلف معه اختلافا كبيرا. عدة نقاط أخرى.
أعتقد أن أي  منظومة الحكم تخضع في النهاية الي وعي مثقفيها اولا ومدى  مستوى شعوبها التعليمي والثقافي. وطرح السؤال التالي يضعني تحت ضغط عدة تساؤلات. هل عاشت الدول العربية ما عاشته عدة شعوب تحت أنظمة شمولية شيوعية كالاتحاد السوفياتي ، والصين الشعبية وكوريا الشمالية  والأمثلة كثيرة. او الدكتاتوريات العسكرية في امريكا اللاتينية. (لنتذكر عهد بينوشي).؟ قطعا لا.
أعتقد أن مشكلتنا الدنيوية والدينية هو التراث الشعبي (الهدام) والتراث الديني (وليس الدين)  من تضخم المتن الحديثي الذي أدى إلىالتغول الذي إستبد بالعقل العربي والمغاربي.  (والمتن الحديثي موضوع جد معقد وشائك) لقد لعب دورا سلبيا في حياتنا الفكرية والثقافية  وكبل العقل وخنق الإبداع. واستغل من طرف الدولة لفرض هيمنتها. كما ساعدها سرب كبير من المثقفين أو أشباه المثقفين الذين يلهتون وراء المادة والمناصب للاستفادة من الريع.  فكيف لهذه الشعوب أن تتحرر من طاغوت السلطات الحاكمة بكل انواعها. من المعلوم أن القرآن أقرب إلى العقل لكن حين يقال "ان السنة (قاضية) على الكتاب" تتضح الأمور للعقلاء. التأويل هدفه السلطة والهيمنة.
لقد ألفنا الاتكالية والعيش على الإعانات والصدقات  لم نتسلح بالمعرفة والعلم.
(كل شيء قضاء وقدر، وأطيعوا أولي الأمر...) إلى غير ذلك. لقد اختلطت علينا الأمور.
أعتقد لا مفر من التحول الى الدولة المدنية الحديثة إذا أردنا أن نخرج من هذا النفق المظلم.
ج19: اخر كتاب اقرأ بل اعيد قراءته  اليوم هو "وجه في ظل غيمة"
للكاتب والناقد الفلسطيني أمين دراوشة. 
مأساة أجيال شعب يراد لها العيش بين البيع والشراء. بين الخديعة والنفاق، وبين الألم والضياع. 
أحاول قدر الإمكان أن تكون قراءة موسعة ونوعية. لأنها  مجموعة قصص شاعرية.
ج20: أمنيتي أن يكون هذا الحوار إيجابيا. وتعبير عن وجهة نظر قريبة للصواب عن الواقع العربي والمغاربي المعاش. وتعكس  صورة واضحة. إنها غير خاضعة للعاطفة أو لأية أيديولوجيا حزبية أو عقائدية.
وأخيرا شكرا لكم